
قرأت في السنة الماضية ثلاثين كتابًا، وقلت إن الزواج هو السبب، وعاداتي الجديدة تحتاج لبعض التعديلات. عقدت العزم على التغيير، وقلت إنني بالتأكيد سأعود لقراءة ستين كتاب كما كنت أفعل، فبما أنني كنت أفعلها، سأستطيع العودة لها. وانخدعت بمشاعر بدايات السنة الجديدة، وحاصرتني طاقة عالية للإنجاز، وقلت:” بقرا كل مؤلفات نجيب محفوظ!” وبدأت بالفعل بقراءة مؤلفاته، ووضعت خطة قرائية وحاولت العودة لساعات القراءة الطويلة التي كنت أقضيها قبل الزواج، إلا أنني سرعان ما مللت من الأجواء المصرية المتكررة، وحاولت كسر خطتي القرائية بكتب قصيرة ومغايرة لأقطع الملل، لكن الشق أكبر من الرقعة، طالت الكتب القصيرة، وتنوعت، ونسيت كتب نجيب محفوظ المكتئبة التي سعدت لأيام بحملي لها. زاد عدد المؤلفات التي قرأتها له وارتفع العدد إلى أربعة عشر عملًا، وبتفكيري بالأمر، فلا أعلم لماذا أصررت على قراءة أعماله كلها في سنة واحدة، فأنا أحب أن أقرأ له بين الفينة والأخرى، وبقراءتي لها في سنة واحدة ستنقطع علي المتعة لقراءتها في كل سنة. انتهت هذه السنة بانتهائي من خمسة وثلاثين كتابًا، تنوعت ما بين السماع والقراءة. وهنا أميز الكتب من كل شهر:
يناير
مدام بوفاري، غوستاف فلوبير
رواية فيها من العمق الكثير، حتى أنني أتخيلها كبئر لا يرى قاعه. استمعت لها ولم اقرأها، كانت أمتع ستة عشرة ساعة استمع إليها في حياتي، ولم أشعر أنها بهذا الطول أبدًا. قصة امرأة بدأت حياتها في الدير مع الراهبات، حياة يملأها الورع والتحفظ والسكينة، لكن كل هذا ينقلب بمرور السنوات بعد تركها للدير، حتى أنه ليخيل للشخص أنها لم تدخل الدير أبدًا! وبين هذه الحياة وتلك تتبدل أمنياتها، تتمنى أن تعود للدير والملل وقراءة الكتب، وتتمنى أن تهرب مع أي أحد لبناء حياة جديدة مليئة بالمغامرات. امرأة متقلبة، مزاجية، ملولة، طموحة وذكية. تتقلب حياتها بين أحداث كثيرة، وتتحول هي بينها من شخص لآخر.
وما استطاعت حينذاك أن تتصور أن تلك السكينة الناعمة التي كانت تعيش فيها، هي السعادة التي كانت تحلم بها!
كان الكذب ضرورة، بل هواية، بل لذة يحلو المضي فيها إلى درجة أنها إذا قالت إنها سارت في اليوم السابق على الجانب الأيمن من الطريق، وجب على المرء أن يدرك أنها سارت على الجانب الأيسر!
فبراير
كفاح طيبة، نجيب محفوظ
أتذكر أنني انتهيت منها وقلت في النهاية: أخيرًا! التفاصيل الحربية أضجرتني، ولكنها بغير ذلك رواية فرعونية ممتازة.
قصة حرب ضروس بين الشمال والجنوب، قصة جيل جاء للانتقام لأجداده واستعادة أرضه، قصة عن الانتماء والشجاعة والتضحيات. تسرق الأرض وتغتصب الحقوق ويدب الخوف ويقتل الملك. يعود حفيد الملك لاستعادة أرضه وإنقاذ شعبه. تخللتها قصة حب لطيفة، آنستني. وهذه هي القصة باختصار، لم تذهلني ولم تغضبني، استمعت إليها أثناء العمل بالمطبخ وكانت كفيلة بتسريع الوقت.
فإن الغضب لا يقتل الحب ولكنَّه يحجبه حينًا من الزمن كما يكدِّر الضباب وجه المرآة المصقولة إلى حين
مارس
زقاق المدق، نجيب محفوظ
قرأتها لسببين: الأول أن قارئًا مشهورًا وكاتبًا أتابعه على تويتر قال أنها من أعظم ما قرأ. وثانيًا لأنها من ضمن مشروعي القرائي بالطبع لقراءة أعمال نجيب محفوظ كاملة. ليست من أعظم ما قرأت، لكنها من الأجمل بالتأكيد. قصة عن حي معدم من كل شيء إلا القصص، قصص كثيرة متشابكة، أمهات عزباوات، رجال غلظاء، وفتيات يحلمن بالكثير. الحب والغضب والفقر، كان لتلك المشاعر مواقف كثيرة لتثبت نفسها، وساعات كثيرة تمنيت اختفاءها؛ لأنني تعلّقت بالحي وسكانه وودت أن أكون معهم أكثر. أعطيتها خمسة نجوم لقصص متكاملة ولشخصيات حقيقية، كنت أظنني أستطيع الاتصال بهم والاطمئنان على حالهم.
أبريل
Days at the Morisaki Bookshop, Satoshi Yagisawa
رواية مملة بشدة، مع أنها تحكي قصة وقع أغلبها في متجر للكتب، وتحمل عنوانًا جذابًا، ونبذة مشوقة، إلا أن ذلك كله كان يخبئ خلفه قصة فارغة وفضفاضة وضائعة. تحكي القصة عن شابة يخونها حبيبها بالزواج من فتاة أخرى، لتكتئب هي وتقبل عرض عمها الذي يدير مكتبة العائلة المتوارثة لأجيال، وكان طلبه أن تسكن بغرفة صغيرة فوق المكتبة بينما تساعده لإدارتها. لم تقرأ كثيرًا في حياتها، حتى قادها الفضول لقراءة بعض الكتب في المكتبة في أوقات فراغها، بدأت بالتهام الكتب، كتابًا تلو الآخر. تترابط قصتها مع زوجة عمها التي اختفت قبل سنوات، تبحث عنها، تجدها ويبدأ فصل آخر خارج المكتبة أكثر مللًا من سابقه. كتبت عن هذا الكتاب بالرغم من كرهي له؛ لأنني بنفس الشهر قرأت كتابًا آخر لم أستطع إكماله، فهذا الكتاب أرحم من الآخر.
مايو
المنسيون بين ماءين، ليلى المطوع
قرأت الكتاب في أربعة أيام، وتمنيت لو أخذت وقتي الكافي معه؛ لأنني أردت البحث عن الأماكن وعن الكلمات وعن السفن والبحر. تكمن قراءتي السريعة للكتاب بسبب حضور الكاتبة للباحة لإقامة مناقشة عنه، وهو موضوع لم أعرف عنه شيئًا حتى خمسة أيام قبل المناقشة، وهذا ما دفعني لركن كل مهماتي المنزلية جانبًا، وشرعت في قراءته منذ السبت حتى الثلاثاء وهو يوم المناقشة. لا أعلم لما سردت هذه المقدمة الطويلة عن الكتاب، لكنني وددت أن أنوه على تفاصيله التي تملأني بالفضول وترغمني على البحث عنها، وهو ما أعجبني كثيرًا فيه. وعلى سيرة الإعجاب فأعجبني فيه الكثير، السرد والكلمات والحبكة والأسلوب، قصص كثيرة وغريبة ( أعجبتني ولم تعجبني ) وتاريخ جديد علي لم أقرأ عنه مسبقًا، انتهيت من الكتاب وأنا في نهم لمعرفة المزيد عن البحرين الحبيبة. ضعت كثيرًا في البداية، تداخل متشعب ومتفرق على عدة صفحات أزعجني وأضاعني، تحاربت معه، وعدته، وصبرت عليه، والحمدلله أنني صبرت، لأنني استوعبت أن ما بيدي هدية ذهبية قيّمة. لا أعرف كيف ألخص القصة، أحتاج لقراءته مجددًا بتأني، لكنه جعلني أفكر كثيرًا، وهذه علامة الكتاب الجيّد. قصص عن البحر، غضبه وشدته وسماحته، عن الغواصين، عن النساء وعن الأعاجيب والأساطير.
كل هذا بحر ميت، ردمناه، أقمنا عليه، انتهت كل علاقتنا بالماء، اعتداؤنا عليه سيعود علينا بالشر. تدخلنا في تكوين حدود البحر، التي تعزله عن اليابسة سيصيبنا بلعنة، ألا يدركون كم مرة عاقبنا البحر على أفعالنا؟
إن عليك الإنصات للماء؛ فهو الذي سيخبرك حين تحون لحظة الزوال
للاشتراك بالنشرة البريدية: http://eepurl.com/iHmkuI
يونيو
أمهات الأشجار، سوزان سيمارد
انتهيت من هذا الكتاب بعد رحلة ممتعة تزامنت قراءتي له بمشاهدة افتار عن غير قصد، والذي بدون مصادفة كان مستوحًا من نفس الفكرة، مما جعلني أفتح فمي أثناء المشاهدة لأنني قرأت نفس الجملة من الحوار في الكتاب، حتى انتهيت منه وعرفت القصة الحقيقية. يستفيض الكتاب برحلة العالمة والكاتبة المتمحورة حول دراسة الأشجار وعلاقتها ببعضها. الكتاب يعتبر سيرة ذاتية ونتائج لرحلة بحث. شعرت بأن مخي تفجر وقلبي أصبح أكثر رقة تجاه الأشجار والنباتات بشكل عام، وكما قالت العالمة في النهاية، البشر الأشجار. الكتاب ممتع جدًا لمحبي الطبيعة ولمحبي النباتات بشكل خاص.
ما الإنسان إلّا جزء من الطبيعة، وما حربه عليها إلّا حرب حتمية على نفسه
في أحضان الأشجار المسنة الشامخة المثابرة تتكئ الشجيرات اليافعة، وبمحاذاتها الشتلات الأصغر سنًا مجتمعين سويًا كما تفعل العائلات في الطقس البارد.
لا يتحدث هذا الكتاب عن دورنا في إنقاذ الأشجار، بل عن قدرة الأشجار على إنقاذنا
يوليو
لا جديد على الجبهة الغربية، أريك ماريا ريمارك
قصة سبعة رفاق، تم تجنيدهم من مدارسهم الثانوية ولم يتعدى عمر اكبرهم الثامنة عشر خلال الحرب العالمية الأولى. انتهيت منها بقلب محطم، وروح يغشاها الفزع لأن كل ما كتب قد يكون نقطة صغيرة لما يحصل أثناء الحروب، حفظنا الله منها وأدام علينا الأمن والسلام. أردت بشدة قراءة الرواية قبل مشاهدة الفيلم، لأنني أستمتع أكثر بالقراءة بدلًا من المشاهدة. لكنني الآن وبعد أن انتهيت منها وتبقى لي مشاهدة الفيلم أشعر بأنها خطة صعبة التنفيذ، لأن الألم الذي تخيلته سأضطر لمشاهدته، بالرغم من معرفتي السابقة له، لكن الآلم هي ذاتها، سواء شاهدتها أو سمعت عنها أو قرأتها.
رواية مكتوبة بروح متوجعة، وبقلم سلس وصادق، ترجمت باحترافية عالية، وتتخللها الدعابة بين فقرة وأخرى. رواية مثالية إن كان للروايات قوانين واستراتيجيات.
لقد تبيّن لي أن بإمكان المرء تحمّلَ الفظاعة طالما أخفض رأسه،لكنها تُميتُ حين يفكّر بها
لم نكن نقذف قنابلنا في وجوه رجال من بني البشر! فقد كانوا في نظرنا في هذا الوقت رمزًا للموت، له أيد وخوذات يتعقبنا ويروم حتفنا
كل شيء في الحياة يغدو مألوفًا بفعل العادة، حتى ميدان القتال
أغسطس
حليب سوفييتي، نورا إكستينا
استمعت للرواية وكانت تجربة ممتعة ولا تنسى لسببين: الأول أن الرواية يتبدل راويها بين فصل وآخر، بين أم وابنتها، وبذلك يتغير صوت القارئة كل فصل مما جعلها قصة أقرب للحقيقة. والسبب الثاني أن قصتها وكلماتها تناسب للاستماع، قصة نسائية أتعاطف معها بصفتي امرأة، وكلماتها شفافة، بسيطة، خالية من التعقيد تجعلني أندمج معها.
قصة أم وابنتها أثناء احتلال السوفييت للاتفيا، الأم طبيبة نسائية ماهرة تتخبط نحو الهاوية بسبب الاحتلال والاكتئاب والأمل. وتربطها علاقة معقدة بابنتها التي هي العكس تمامًا من أمها، تشع الحياة من قلبها وأيديها، وتضحك عند حلول النهار. رواية بديعة.
نعم. لم أكن أريد أن أبقى على قيد الحياة، ولم أرغب في إرضاعها حليب أمٍّ لا تريد الحياة
لا تخافي يا ماما. كل ما تحتاجين إليه هو الرغبة في الحياة. الرغبة في أن تعيشي، وكل شئ سيكون علي ما يرام
سبتمبر
الوقوف على أطراف الأصابع، توفيق الربيعة
بكيت عندما انتهيت منه، صور الجائحة أثارت في نفسي ذكريات كثيرة ومشاعر مكبوتة حاولت نسيانها.
بعد انتهاء كل فصل أتوقف لأخذ نفس، الجهد المبذول في مكافحة الجائحة جبار وهائل، وأعرف يقينًا أن الاستاذ توفيق لم يكتب عن كل شيء وعن كل المشاكل وعن كل الانهيارات والمخاطر، تمنيت لو أنني عرفت عن هذا كله مبكرًا، لكنني سعيدة بكوني من الأوائل الذين أخذوا اللقاح في مدينتي، لم أعرف أن خطوتي هذه كانت مؤشرًا هامًا للمنظومة الصحية وللمجتمع ككل، للتو عرفت أن كل خطوة قامت بها وزارت الصحة، وكل خطوة شاركنا بها، كانت سببًا بعد توفيق الله ورعايته على تخفيف الأزمة، وعلى النجاة منها. انتهيت من الكتاب بقلب يملؤه الامتنان لقيادتنا الرشيدة، ولكل من شارك بصنع القرار وتنفيذه.
الاستعداد في وقت الهدوء هو وسيلة العبور في وقت الأزمة
لا شيء في الحياة يوازي أن تكون مسؤولًا عن الإنسان وقت ولادته ووقت وفاته، وما بينها، عن حالة ضعفه، عن حياته، عن ألمه، عن تعبه ومشاعره. توّليت مناصب عدّة في مسيرتي المهنية، كانت متعبة وشاقة، لكن كلها كانت سهلة مقارنة بوزارة الصحة تحديدًا وقت الجائحة
أكتوبر
الأشياء تنادينا، خوان خوسيه مياس
كتبت عنه على السناب تشات أثناء قرائته:” إما أن تكتب القصص القصيرة هكذا وإما فلا.” وانتهيت من المجموعة القصصية وأنا بذات الانطباع، أو قد يكون أشد.
أبدأ أولًا بالمقدمة التي كتبها المترجم، واضحة، خالية من الحرق الذي لا فائدة منه، وتعطي معلومات كافية عن الكاتب وعن البيئة والوقت الذي عاش فيهما أثناء كتابة الكتاب. وثانيًا المحتوى نفسه بديع وخلّاق ومسلي، مزيج كهذا صعب تكوينه، لكنه بطريقة ما حدث، وليس مستحيلًا. تنوعت القصص وتنوعت مشاعري معها، ضحكت وحرنت وغرقت في أفكاري، مذهل وأتمنى لو أكتب مثله
نوفمبر
الأمية، أغوتا كريستوف
كتاب سيرة للكاتبة أغوتا كريستوف، قرأته في جلسة واحدة، صادقة وحزينة وذكية، أعتقد أنني وجدت كاتبتي المفضلة. اضطرت الكاتبة للهرب، ولتعلم لفة جديدة لتحيا، كتبت لتنقذ نفسها من البؤس وعذاب العمل.
لم أختر هذه اللغة… لقد فرضتها عليّ الصدفة، فرضها القدر، فرضتها الظروف. مكرهة أنا على الكتابة بالفرنسية. إنها تحدٍ. تحدٍ تخوضه امرأة أمية وهذه اللغة تقتل لغتي الأم
لن يكون المرء سعيداً في بلد يضطهد حريته، ولكن سعادته غير مضمونة في بلد آخر. ما الفرق إذن بين الإقامة والرحيل ؟.
ديسمبر
أنا قادم أيها الضوء، محمد أبو الغيط
لم انتهِ من الكتاب بعد، أقرأه بينما أكتب هذه التدوينة. بدأت في قراءته بتبقي ستة أيام على نهاية السنة، وقلت بأنني لن أنهي السنة بدون أن أقرأ كتابًا أخيرًا، مؤمنة بسرعة قراءتي، لكنني ندمت على اختياري للكتاب، حزين، ولا يناسب مشاعر بدايات السنة الجديدة أشعر بقلبي يتفتت مع كل فصل. رحمه الله رحمة واسعة.
تدوينة طويلة، لكنني سعيدة بكتابتها، لا أتذكر آخر مرة كتبت فيها عن كتاب في المدونة. أشعر أنني عدت لنفسي أخيرًا، بكتابة تدوينة اعتدت على كتابتها كل سنة، بعد أن انقطعت السنة الماضية عنها.
ممتنة لوصولكم للسطر الأخير، وحتى الاثنين القادم، إلى اللقاء يا أصدقاء.
- قررت أن تكون السنة القادمة: سنة الأعمال السعودية، لأي اقتراحات بإمكانكم الكتابة إلي على الإيميل التالي:
sarah1aljeraisy@gmail.com




