
أضحك على نفسي وأقول لمحمد أنني في مهمة لتجربة كل دورات المياه في كل مكان. تنتابني الحاجة للذهاب إلى دورة المياه في كل مكان تقريبًا، بالرغم من أخذي لكل الاحتياطات، لا أشرب كثيرًا، وأذهب لدورة المياه قبل خروجي من المنزل. وأشعر بأنها مشكلة نفسية أكثر من كونها حاجة طبيعية، لكن هذا الموضوع ليس موضوعًا للنقاش حاليًا.
كنا في طريق الطائف متجهين إلى الباحة، توقفنا في المحطة الأخيرة قبل أن نبدأ بالصعود على طريق الكرا. كنت بحاجة شديدة للنوم، الساعة الحادية عشرة مساءً، ومثانتي في طريقها للانفجار. نزلت من السيارة بنقاب مائل إثر محاولة نوم فاشلة، ومشيت بغير تفكير إلى دورات المياه. وقفت أمام المسجد وبحثت عن اللوحة الإرشادية لدورات المياه، أشارت اللوحة لخلف المسجد، مشيت والتففت من وراء المسجد، طريق طويل مظلم وضيّق، لا يوجد به سواي، توقفت لدقيقة قبل أن أكمل المشي. وتذكرت شعاري: الشجاعة الشجاعة. قررت بعد زواجي أن أكون أكثر شجاعة في كل شيء، في قراراتي وفي أحلامي وفي أي موقف يتطلب قلبًا قويًا. كوني أهدف لأكون أمًا “كول” فهذا يعني أن أكون شجاعة في كل شيء. أخذت نفسًا طويلًا ومشيت بخطوات واسعة إلى دورة المياه الموجود بابها على اليمين في آخر الممر. وفي طريقي إليها سمعت صراخًا غريبًا، وقلت في نفسي أنني أتوهم من شدة النعاس، توقفت في مكاني لثوان وأكملت المشي بعد أن شجعت نفسي. توقفت أمام الباب المفتوح، وقبل أن أدخل أطلت برأسها فتاة طويلة ترتدي عباءة رأس وقفازات سوداء، لم يظهر منها سوى عيونها، والقليل من بشرتها البيضاء، أو شديدة البياض. وقبل أن أتكلم، قالت: هاااي، وأمالت بأصابعها بوجهي. انتفضت، تعرقت، وقلت لنفسي:”وش بتسوي لي يعني؟” وأقمت ظهري وسألتها:” الحمامات زينة؟” هزت رأسها يمينًا ويسارًا ضاحكة بدون أن تنطق بحرف واحد. أدرت ظهري ومشيت من حيث أتيت، لم ألتفت، خفت أنني إذا التفت سأراها تلحق بي، مشيت بهدوء وكأن شيئًا لم يكن. ركبت السيارة وأنا انتفض، وبعد دقائق قليلة خرجت الفتاة من دورة المياه ومشت من خلف سيارتنا وهي تنظر إلي وتؤشر باصبعها مع فتاتين أخريتين بنفس شكلها. التفت بعد دقيقة لكنني لم أجد لهن أثرًا.
للاشتراك في النشرة البريدية : http://eepurl.com/iHmkuI
لم أشعر في حياتي بالهلع كما شعرت تلك الليلة، لكنني معجبة بشجاعتي، لم أطرق ساقي للريح، وإنما مشيت عائدة بهدوء، صحيح أنه هدوء مصطنع، لكنني لم أفزع ولم أتخذ موقفًا سلبيًا من كل دورات المياه. مع ذلك، أصبحت أكثر حذرًا الآن، وأذكر نفسي بأن الهروب قد يكون شجاعة أحيانًا.
وأود أن أذكر موقفًا آخر أفخر فيه، حيث تسلقتني جرادة في أثناء تواجدي في السيارة، ولم أصرخ ولم أبكِ ولم أفزع، وإنما أخبرت محمد بهدوء أن جرادة تتوق للوصول لقمة رأسي لتغرس علمها فيه.
أتذبذب ما بين المخاطرة بحياتي والخوف الشديد من فقدانها، الشجاعة بالنسبة لي هي المخاطرة، وأي شيء آخر أعده خوفًا غير مبرر. أود أن ألقي بنفسي من فوق مبنى مربوطة بحبل، وأود ركوب افعوانية فالكون الموجودة بالقدية، وأود السباحة مع الحيتان، لكنني أخاف من الجبن منتهي الصلاحية، ومن العطاس في الأماكن العامة، ومن أن أفقد سيطرتي على نظام نومي.
أشعر بالحماسة كلما تذكرت مواقفًا كنت شجاعة فيها، وأتمنى أن أكون أكثر حكمة في المستقبل. وأتمنى أن تكون دورات المياه النسائية أكثر أمانًا، وأن تكون أبوابها قريبة للشوارع ومضيئة وليست في سرداب مظلم تحت الأرض.
إلى الاثنين القادم مع مواقف أخرى أثر لطفًا، إلى اللقاء يا أصدقاء.




