مفرزنات النمل

كانت تمسك النمل بإبهامها فقط، تضغط على النملة برفق فتلتصق النملة بإصبعها، تقلب يدها وتراقب النملة تشق طريقها لكف يدها. تسرع لقالب الثلج المملوء بالماء، تُسقط النملة إما بالنفخ أو الهز، وتغطي المكعبات بغطاء شفاف وتدخلها للفريزر. 

تفرزن أنواع النمل في مكعبات ثلجية، تصفها بعناية داخل ثلاجة صغيرة ذات باب شفاف وضوء أزرق فاتح، وتضعها أمام سريرها على طاولة خشبية. تستيقظ كل صباح وتلقي نظرة على حصيلتها من النمل المفرزن، مجموعة من النمل الأحمر، الأسود، الأبيض، ولديها جعاب، وقعسي وحيد لم تستطع جمع غيره، وكذلك مجموعة فخرية من الملكات. لديها نملة سكر بلون بني فاتح جدًا، قبضت عليها أثناء تناولها لفتات الدونات على أرض المطبخ. وضعتها في وسط المجموعة، تذكرّها بنفسها في صغرها، تعشق السكر، تتناوله بيدها والجميع نيام، حتى اضطرت والدتها على تغيير مكان السكر كل فترة، تضعه مرة في علبة الشاي، ومرة في صندوق المسامير، ومرة في جيب مريلة المطبخ البرتقالية. 

لم تمت نملة السكر، بل كانت تراقب كل شيء بعينيها، تجمد مكعب الثلج وبوسطه فقاعة هواء منحت النملة فرصة لتحريك وجهها. أبناء جنسها كلهم ميتون من حولها، بين الحين والآخر تضاف جثة جديدة للمجموعة، تضحك الفتاة، وتعد كل نملة موجودة، وكأنها تحصي الوجود بعينيها وأصبعها الذي يؤشر على كل مكعب. 

في إحدى الأيام، وعلى إثر صاعقة قوية، انفجر عداد الحي، وانفصلت الكهرباء. ذابت المكعبات شيئًا فشيئًا، سالت النملات على الأرض، جثث ذائبة ورائحة شبيهة برائحة الخل. بكت الفتاة، ولم تقترب لبقعة الماء، اكتفت بتأملها من بعيد. وقبل أن تجف المقبرة تمامًا، أعادت الفتاة جمع النمل الميت بنفس الطريقة، يلتصق بإبهامها بفعل رطوبته، وتضعه على وجه الماء في قالب المكعبات. 

في مقابلة عمل بعدها بأيام، كانت الفتاة ترتجف من التوتر في غرفة الانتظار، تضغط خاصرتها، تشم إبطيها، تعيد تسريح شعرها، وتعدل من جلستها مرات عديدة. نادتها إحدى الموظفات للدخول، وبينما تجلس على الكرسي أمام موظفي الموارد البشرية، شعرت بحكة شديدة في أذنها اليسرى، فركتها، وأعادت فركها مرة تلو الأخرى. قالت الموظفة الجالسة في الوسط:

  • قولي لنا ليش تشوفين نفسك مناسبة لهالوظيفة؟

قبل أن تجيب، هزت رأسها لليسار بسبب الحكة، وقالت:

  • عندي التزام و..

هزت رأسها لليسار مجددًا وأكملت:

  • التزام وشهادات تؤهلني لمتطلبات الوظيفة، عندي قدرة هائلة على التركيز و…

كررت هز رأسها لليسار وأردفت:

  • على التركيز والعمل بشكل فردي وجماعي

سألت الموظفة:

  • طيب لو قلنا مثلًا مثلًا توظفتي بالاستقبال عندنا، وجاء عميل غاضب يسب ويشتم وش بتسوين؟

أمالت الفتاة رأسها لليسار عدة مرات، وقالت بعصبية:

  • الله يقلعك يا شيخة 
  • ايش؟؟؟
  • المعذرة

نظرت الموظفات لبعضهن البعض، قالت الموظفة على اليسار:

  • عندك حركة لا إرداية؟ أو تعانين من مشكلة معينة لازم نعرف عنها؟
  • لا لا، ما أعاني من أي شيء

قالت ذلك وهي تهز رأسها على اليسار، قالت:

  • بس ما ادري وش فيني اليوم احس بشيء غريب

قالت الموظفة التي في الوسط:

  • طيب سيرتك الذاتية ممتازة، بنتواصل معك لو توفر أي شاغر 

قامت الفتاة للمغادرة، شكرتهن وخرجت بينما تميل رأسها لليسار أثناء مشيها. 

في طريق العودة المنزل، تجلس في السيارة، تتأمل من النافذة، تتنهد، وتخرج نملة بنية صغيرة من أذنها. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top