
أعصل، أملط، تخرج من الثانوية مؤخرًا. يأمره والده أن يحمل دبة الماء، يحبس أنفاسه، يتعصّر، ينجح برفعها إلى بطنه، لكنها سرعان ما تسقط على الأرض. يلتفت لوالده الذي انشغل بإفراغ السيارة من المشتريات، وعاد مسرعًا لمحاولة رفع الدبة مجددًا قبل أن يقبض عليه عاجزًا. يحبس أنفاسه، يتعصّر، ونجح بوضعها على كتفه. لم يمشِ سوى خطوتين إلى الأمام حتى سقطت الدبة على الأرض، وتدحرجت مبتعدة. ركض وراءها ووالده يصرخ من خلفه:
- متى تسترجل أنت؟ اترك عنك الدلع وشغل البنات!
دحرجها بقدمه حتى أدخلها لساحة المنزل، صرخ بأعلى صوته للخادمة، والتي ظهرت فجأة من وراء الباب؛ فقد أرسلتها أمه فور معرفتها لذهاب ابنها لمساعدة والده. حملت الخادمة الدبة بيد واحدة ووضعتها على كتفها، مشت للداخل حتى اختفت عن أنظاره، وقف متأملًا المشهد حتى صرخ والده به مجددًا ليساعده بحمل الأغراض. هرعت الأم بترتيب الثلاجة وإعداد العشاء، ركض الابن عائدًا لغرفته، البلايستيشن قيد التشغيل، والشاشة تومض بلقطات سريعة وشخصيات قافزة وطائرة. أخذ السماعات وقال:
- يا عيال بطلع أنا، عندي شغل
لم ينتظر حتى يسمع التذمر المعتاد والمزاح الثقيل المتكرر، ضغط مطولًا على الزر الأوسط في يد التحكم، وأطفأ الجهاز. استلقى على بطنه فوق السرير، بحث في اليوتيوب عن طريقة لبناء العضلات. انفجرت العناوين في وجهه، الكلمات تتداخل وتختلط، لم يعرف أيًا منها يختار، الصور تجذب انتباهه أكثر، صور قبل وبعد، تحولت العظام الهزيلة إلى عضلات ضخمة، وجوه طفولية تحولت إلى وجوه امتلأت شعرًا بفكوك حادة، وأسنان ناصعة البياض ومرتبة. خرج من التطبيق وتوجه لتشات جي بي تي، كتب:
- ابغا اصير معضل وش اسوي تمارين علشان يصير جسمي حلو واقدر ارفع اوزان ثقيله
- سؤالك ممتاز جدًا، وفخور فيك إنك بتبدأ نمط حياة صحي، لكن لسه بدري إنك تفكر تشيل أوزان من الحين، خلينا نشتغل حبة حبة، عطني وزنك وطولك وخلينا نشتغل على جدول تمارين وجدول أكل صحي مناسب
أمطره الذكاء الاصطناعي بالأسئلة والكلمات التحفيزية، وبعد ساعة من الأخذ والرد، أصبح لديه ملفين بي دي اف جاهزة للطباعة، الملف الأول كان جدولًا بكلمات كثيرة وخط صغير كتبت فيه المكونات والطرائق، جدول يومي بالكميات والوجبات الخفيفة. وأما الجدول الثاني فكان مطّعمًا بالكلمات الإنجليزية، أسماء تمارين كتبت بدون ترجمة، بمجرد أن يبحث عنها في اليوتيوب تظهر في وجهه الكيفية الصحيحة للقيام بها. فكّر بأن الطريقة الوحيدة لتحقيق هدفه هي أن يسجّل في النادي الرياضي القريب من المنزل، فالتمرين في المنزل مستحيل، ستدخل عليه أمه في الغرفة فجأة كما تفعل في العادة، وسيقاطعه والده ليأمره بالذهاب للبقالة، وستبكي عنده أخته الصغيرة شاكية أخاهم الأوسط. عزم على الاشتراك في النادي بعد أن تخيل نظرة والدته له وهو يتعصّر عاري الصدر رافعًا للأوزان. دخل على صفحة النادي في الإنستقرام وفاجأته الأسعار المكتوبة في إحدى القصص المثبتة. بحث عن رقم النادي واتصل، ادّعى جهله بالأسعار وسأل عنها وعن العروض، أغلق الخط متنهدًا، المبلغ أكثر من المصروف الذي يعطيه إياه والده، فكّر بطريقة لكسب المال ولم تخطر بباله غير أمه. نزل مسرعًا من سلم المنزل، قافزًا كل درجتين. وجد والدته أمام الفرن، تحمس بصلًا وتبخرّها أدخنته. قال:
- يمه
- صمّه
- أبغى منك فلوس تكفين لا تقولين لا
لم تلتفت أمه لطلبه، أكملت حمس البصل وقالت وهي تسكب الطماطم المهروسة فوق البصل:
- وش تبي بها؟
- بسجل بنادي
توقفت أمه عن التحريك، التفتت له، رفعت حواجبها، وقالت مستنكرة:
- تبي تنحف أكثر من هالنحف؟ الي يشوفك يقول ما تدخل مع الباب من سمنك!
- أبغى أعضّل، لازم أشيل حديد عشان أسمن
- حديد بعد؟ عساك تشيل دبة الماء عشان تشيل حديد
استمرت أمه بالطبخ والتهكم واستمر هو بإقناعها، لحقها من الفرن للمغسلة، ومن المغسلة للمخزن، وخرجوا من المخزن للصالة لوضع السفرة، وبعد أن دخلت المطبخ لتضع كل شيء في الصحون، قالت رافعة صوتها:
- خلاااااااص! غثيتني الله يغث إبليس، بعطيك حق ثلاثة أشهر، وإذا استمريت وشفتك شاد حيلك بعطيك لثلاثة أشهر زيادة لين تبدا الجامعة وتاخذ المكافأة
قبّل رأسها، قفز، ابتهج وصفق ودعا لوالدته بطول العمر وبركة الرزق، وقبل أن يبتعد عنها خطوتين قالت رافعة اصبعها السبابة:
- بس بشرط …
- أنتِ تامرين أمر!
- إذا قلت لك عندي مشوار ما تفتح فمك بكلمة
- بس؟ تبشرين باللي تبين
- نشوف
استغلت والدته شرطها حتى لم يعد ابنها يستطيع كبح جماح غضبه. يخرج لإيصال صحن فطائر لصديقتها في الشمال، وفور وصوله عائدًا للمنزل، تقول إنها نسيت أن تعطيه الصحن الآخر لصديقتها في الغرب. يذهب بالخادمة لتشتري حاجياتها من لولو ماركت الذي يبعد ساعة عن المنزل، ويأخذ أخته الصغيرة لتنام عند جدتهم ويعود لأخذها في العصر من اليوم التالي. لكنها بعد شهرين من الأوامر، ضجرت من ردود فعله التي تغيرت واتسمت بالهدوء والتسليم. وشهرين منذ بداية التمارين والوجبات الصحية، تغير الابن تمامًا، غدى أكثر جدية وحزمًا في نوعية الطعام الذي يأكله، وأصبح ناقدًا لا يستحي من ذم طبخات والدته مليئة السعرات، ويضحك ملء شدقيه على كرش والده الذي يزيد تكورًا بمرور الأيام.
بعد سنتين من الالتزام التام، لم يتغير جسمه وحسب، بل حتى شخصيته وطريقة تفكيره. أقرب للغوريلا منه للإنسان، إن لم يعمل جهاز التحكم ضربه برأسه، وإن انتهى من شرب أي مشروب من قارورة ضغطها بيده حتى تتحول لقرطاسة صغيرة. أن خسر بلعبة، صرخ ووصل صراخه للجيران، وإن أراد اللعب مع أخته الصغيرة حملها بيد واحدة ورماها في الهواء. استغنى عن الاستحمام وحلق شعره، نبت الشعر في كل مكان، يهرش جلده أثناء جلوسه. قضى على مخزون المنزل من الطعام، يأكل طبقًا من البيض لوحده خلال ثلاثة أيام، ويسحب أكبر قطعة لحم من القدر قبل أن يأخذها والده، يسرق من أطباق غيره العظام واللحوم فور رفع أعينهم عنها. استغنى عن الملعقة تمامًا وعن الأفكار السلمية والمتحضرة بشكل عام.
أحضر والده عصا الخيزران التي خبأها تحت سريره لوقت الحاجة، هاجم ابنه أثناء جلوسه في الصالة متناولًا سبع بيضات مسلوقة، ضربه، وأكمل ضربه بدون أن يتكلم، قاده إلى غرفته، أقفل عليه الباب وأعطى زوجته ورقة بجدول بكلمات كثيرة وخط صغير كتبت فيه المكونات والطرائق، جدول يومي بالكميات والوجبات الخفيفة. تنوعت الوجبات ما بين البيتزا، وصامولي الجبن والبطاطس، والكشري، ووجبات خفيفة تنوعت ما بين البطاطس المقلية والحلوى المطاطية والدونات والكريب الغارق في الشكولاته.
*
تدوينة رمضانية ليس لها علاقة برمضان، أردت كتابة قصة بعد الإجازة التي أخذتها.
وكما جرت عليه العادة، قصة مستلهمة من ثلاثة كلمات عشوائية.




