
في صباح شتوي شديد البرودة، كنت في الصف الثالث متوسط، أحارب صورة الفتاة الضعيفة الدافورة، بالجلوس خارجًا في الجو المتجمد، أضحك مع زميلة وأتجادل مع أخرى. تتسم صورة الفتاة الكول في المدرسة بعدم لبس أي شيء يقي من البرد، بل بمصارعته والادعاء باللامبالاة فيه، بالرغم من البخار الذي يخرج من أفواهنا أثناء حديثنا في الخارج. كنت أرتدي بلوزة قطنية ذات رقبة طويلة، ونسميها في المنزل – أم رقبة – وفوقها كنزة صوفية وعدد من البلايز القطنية الأخرى، أرتديها كلها تحت القميص المدرسي، فلم أكن أحتاج إلى جاكيت أو لأي شيء آخر لاتقاء البرد. أجلس في الخارج مع مجموعة من الفتيات اللاتي لا يرتدين أي شيء سوى القميص المدرسي الأبيض، كنت أصنف نفسي كول بجلوسي معهن في البرد، ولا أعرف إن كن يعترفن بي من ضمنهن بالرغم من انتفاخي من كثرة الملابس، إلا أنهن كن يشملنني لدائرتهن، قد يكون الجاكيت هو العنصر الأساسي للقبول والرفض، ولم أكن أحضر جاكيتًا في كل يوم. ولم يمر الوقت كثيرًا حتى انفضحت، وجهت التهمة لنفسي وقد تغاضى الجميع عنها، تكلمت بصوت مرتفع لأن زعيمة الشلة كانت تمشي أمامي بمسافة كبيرة لإحضار شيء ما بسرعة، قلت صارخة:
- عاد أمس قلت لأمي مستحيل أطلع للمدرسة بدون أم رقبة!
توقفت أثناء مشيها، نظرت لي بحدة، قالت:
- اسمها هاينك لا تفشليننا، وأنا مرة ما أحبها ولا أحب ألبسها، ولا أي أحب شيء يلمس رقبتي
لم أجب بشيء، صمت، لم يخطر على بالي أن كلماتي مثيرة للحرج، لم يخطر على بالي أبدًا أن للملابس أسماء أخرى غير التي أعرفها. كنت في مدرسة ابتدائية تضم خمسين طالبة فقط، معلماتها من نفس الحي، وصديقاتي هن بنات الجيران. لم تختلف خلفياتنا الاجتماعية كثيرًا، وكلماتنا ومسمياتنا كانت واحدة. حتى انتقلت لمدرسة متوسطة وثانوية ممتلئة حتى رأسها بكل الخلفيات والطبقات والمسميات، وكانت أم الرقبة هي الصدمة الأولى.
للاشتراك في النشرة البريدية : http://eepurl.com/iHmkuI
قضيت مدة طويلة لأعتاد على المسمى الجديد لأم الرقبة، وقضيت وقتًا أطول لأجعل والدتي تحفظه معي. كان مسمى أم رقبة يعطي دلالات كثيرة بنظري، أننا عائلة منغلقة بعض الشيء، لا نختلط بالعالم لنعرف المسميات الجديدة للأشياء، أننا ما زلنا نقوم بذات الأشياء اللاتي كانت أمهاتنا في أعمارنا يقمن بها، لم نتغير كثيرًا عنهن، وأننا نفضل الحفاظ على التقاليد بالرغم من كل شيء آخر، لأن الحفاظ على شيء موجود أسهل من اكتساب شيء جديد. ولأنني كنت في مرحلة عمرية حساسة، أثر فيّ الموقف كثيرًا، خجلت من نفسي، وأصبحت بالتدريب ماهرة في اقتناص الكلمات الجديدة والكلمات المشهورة المستخدمة في مواقع التواصل الاجتماعي.
في إحدى المرات القريبة، قلت بالخطأ زهري بدلًا من وردي، ضحكت على نفسي، ضحكت بشدة، آخر مرة نطقت بالكلمة كانت في المرحلة الابتدائية، بعد أن قررت حذف كلمة زهري من قاموسي لأنني الوحيدة في المدرسة التي تستخدمها، وكنت بحاجة لصداقات، ولم يكن بمقدوري أن أتعرف على أحد حتى أتقن الحديث مثلهم. تخليت عن الكلمة التي تعلمتها من جدتي وأبي، رغبة مني بالانطلاق للعالم، لأكون نسخة أخرى من الجميع. بالرغم من حذفي للكلمة تمامًا من قاموسي، إلا أنها خرجت فجأة بدون علم مني بعد سنوات. أشعر بأن الكلمات أقوى منا، توحي بأنها اختفت، لكنها موجودة بالأعماق، لا تختفي أبدًا. تكوّن الكلمات شخصياتنا، وتعبر عنا، نضجت وأيقنت أنها ميزة، أن يكون لي قاموسي الخاص، الذي يعبر عني وحدي، وعن كل ما تعلمته وعشته.
في الجلسة الثالثة مع صديقة من جدة، وهي فتاة لطيفة تعرفت عليها مؤخرًا، قالت ضاحكة:
- اول مرة قابلتك قلتِ كم كلمة ما فهمتها بس ما سألت وش معناها
ضحكت، أيقنت بأنني سأحمل حقيبتي من الكلمات في كل مكان، وسأستخدمها مع الكل، وستخرج مني كلمات رغمًا عني، لكن هذه أنا، ولن أشعر بالحرج أبدًا كما فعلت في المتوسطة، لكن أتمنى ألا تحرج ابنتي مني 😊 .
حتى الاثنين القادم، إلى اللقاء يا أصدقاء.




