لعب الورق، بيض مقلي، وقود

“أقبـل وكنـه على مهـله

يطعـن بخطـواته غيـابه

يضحك و لا احد تـنـبه له

يوم التفت يمسح اهدابه”

تصدح سماعات السيارة بالأغنية، تشير الشاشة لمقطع معنون بـ – أغنية حن الغريب لعبدالمجيد مكررة لمدة ساعة – يغني معها بدون أن يسمع صوته، بدون أن يسمع البحة التي تفسد الانسجام مع الأغنية. يتنهد بعدما انتهت الأغنية، ويتجهز لغناءها مرة أخرى. جذب انتباهه ضوء أحمر صغير، يؤشر بسرعة، يتلفت يمينًا ويسارًا متحسرًا وصارخًا:

  • يا ليييل، والله اني نسيت، وين أبلقى محطة هالحين 

يطفئ الأغنية، ويقول:

  • معليش يا مجودي قاطعناك، بس ما ودي تبدا تغني واوقفك اذا وصلنا المحطة 

يحرك باصبعه على الشاشة، يسحب الخريطة ويصغرها ويقلبها بعدة اتجاهات، كمن ينبش بأصابعه بداخل حقيبة. وجد محطة على بعد عشرة كيلو مترات، يحددها ويبدأ عداد الوقت بالنقصان. يخفض رأسه ويتأمل السماء من فوقه من الزجاج الأمامي، يكاد سطوع البدر أن يعميه، يشتهي كأسًا من الشاي، يعبر عن رغبته بلحن يغنيه ويقول وهو يمط كلماته:

“أبروح المحطة هالحين وأعبي البنزين 

همين أبروح وأقند الراس بشويهي يسعد البطين”

ويرد على نفسه قائلًا:

  • ايييييه، خلوها 

تستمر إشارة التزود بالوقود بالوميض، يتفادى النظر إليها، يسرح بخياله، يتخيل نفسه وقد وصل لقاعة الزفاف، يصافح الموجودين، يساعد بإصدار الأوامر، يمثل حمل صحون العشاء، يتحرك في كل مكان، الكل يحتاجه، والكل يود أن يتحدث معه لدقيقتين. تبدأ أضواء المحطة بالظهور، مصابيح بيضاء ساطعة، تمتد على طول الطريق حتى المخرج، تبعها حتى وصل لطابور من السيارات، راودته نفسه لقطع الطابور، لكنه بعد رؤيته للبوفيّه التي تضع صورة شطيرة على بابها، تلخبطت أفكاره، توقف عندها للأكل ريثما يمشي الطابور. دخل المحل، وقف أمام العامل للطلب، وجد العامل الآخر يحمل علبة حمراء عملاقة من الكاتشاب، يكتب على قرص البيض المقلي أمامه – سعود – يلف قرص البيض الذي وضع على خبزة شامية، ويلفه مجددًا في ورق أبيض، ناولها لشخص يبدو كمهند أكثر من سعود. أشار لنفس العامل، قال:

  • أبي زيه، اثنين 
  • طيب، اسم؟ 
  • ما يحتاج، ولا اقول لك، اكتب خ 
  • طيب

شعر بالحرج، أن يأخذ شطيرة بيض مقلي بحرفه مرسومًا بالكاتشب، لن ينساها إخوته إن عرفوا، سيذكرّونه بها حتى يوم وفاته. أخذ الشطائر وخرج لشراء الشاي، توقف أمام محل صغير لا يبدو كديوانية، وإنما كمختبر صغير قذر ومهجور. دفع الباب الزجاجي ودخل متنحنحًا، أربعة شبان يفترشون الأرض، ويشربون الشاي. ظهر العامل فجأة من تحت الطاولة، تبدو على وجهه آثار النوم، ياقة بلوزته مطبوعة على وجهه، وحاجباه قد علقا على نفس حركتهما في حلمه. 

  • شاهي أحمر سكر وسط
  • نعناع ولا بدون؟ 
  • بدون، ولا اقول لك، نعناع

غادر العامل بدون أن يرد، اختفى وراء ثلاجة بيبسي قديمة. قال:

  • الله يستر من تفالك بس

لم يتناول أي قضمة من الشطيرة، يكره أن يتناول طعامه واقفًا، أو بدون أن يشرب شيئًا مع وجبته. استلم كوبه وتأمل سطحه، يبحث عن فقاقيع أو لزوجة غريبة، لكنه لم يستطيع أن يتبين أي شيء. ناول العامل ريالين وأعطاه ظهره. صرخ العامل من خلفه:

  • صديق، ناقص ٣ ريال
  • الكاس بكم؟ 
  • ٥ ريال
  • الله لا يحللكم 

أعطاه باقي المبلغ، أكل الشطيرة أخيرًا، يتبعها برشفة من الشاي، يشعر بأنه امتلك الدنيا وما عليها. انتهى الشباب الجلوس من توزيع الأوراق، حدق، حواجبه الكثيفة تضع ظلالًا على عينيه، قال:

  • خويكم معه ثلاث كك

ضحك الشباب، وغضب صديقهم المقصود، تفوه بكلمات غريبة. ضحك بعد فوره سباب سريعة موجهة إليه، رشف من كوب الشاي، وهم بالخروج، لكن الشاب الغاضب استوقفه قائلًا:

  • تعال، أنا ماشي خذ مكاني
  • مشغول انا وراي زواج

قال أحد الجلوس:

  • اقول بس تعال ما حنا مطولين

للاشتراك في النشرة البريدية : http://eepurl.com/iHmkuI

أطرق رأسه مفكرًا، توقف للحظات، قال بتردد:

  • بس ترا معشّقة
  • الي تبي

نظر لساعته، الوقت ما زال مبكرًا لبدء الزواج، جلس على البساط الأحمر المحترق من الوقت، جمع الورق بشكل لا إرادي، أعاد توزيعها، وبدأ اللعب. قال:

  • أول؟

أجابوا بالترتيب:

  • بس

قال:

  • حكم

ورقة الولد الديمن ظاهرة على الأرض، وفي يده ثمانية ديمن. خصومه يتبادلون النظرات، يبتسمون لبعض. أكمل توزيع الورق، وأمسك بيده ورقتين حمراء لكنهما هاص. خسر هو ورفيقه الجولة، يرمي الأوراق على الأرض، يسب، يقول:

  • العب زين زي الناس والعالم!

 أعيد توزيع الورق للجولة الثانية، أخذ نفسًا عميقًا، قال:

  • حكم 
  • الديمن التسعة مكشوفة في المنتصف، بعد إشارات ونظرات وسباب، انتهت اللفة الثانية بخسارتهم مجددًا. أعيد توزيع الورق للمرة الثالثة، واستمرت الخسارات مجددًا، الخسارة تلو الأخرى. يصرخ، يحك شعره، يضع يده على جبهته، يقلب بصره في كل مكان، وفي اللفة الأخيرة، وبعد توزيع الورق، قال:
  • صن

الورقة المفتوحة كانت عشرة هاص وهي مكملة للثلاث عشرات في يده، تكفلت الأربع إكك بكامل نقاط الصكة. فاز هو ورفيقه بأعجوبة، صرخ، ضحك بقوة، قهقهة مرتفعة، وصوت صفقة قوية باليد. نهض، قال:

  • سلمتوا على هالصكة الزينة، والحين أبرجع لطريقي..” 

وقطع كلامه نظرته للساعة، أشار العقرب القصير للساعة الحادية عشرة، قال واضعًا يده على جبهته:

  • الله يقلعكم جميع

 وانطلق لسيارته.  

*

هذه القصة مبنية على ثلاث كلمات مفتاحية، وهي التي كتبت كعنوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top