
في صغري كنت أجابه الموت أسبوعيًا، ولم يكن ذلك إلا بسبب التكايات. في نهاية الأسبوع، وفي زيارتنا الروتينية لخوالي، كنت ألعب لعبة سميناها ” الكيكة ” كنت أنا وإخوتي وخالي الأصغر نجمع كل التكايات في المجلس ونضعها فوق بعضها البعض مكونة برجًا طويلًا آيلًا للسقوط. نقف لدى الباب، نعد حتى الثلاثة، وننطلق ركضًا مصطدمين بالتكايات. تقع التاكيات على رؤوسنا، نضحك من الألم لا من المتعة، ونعيد الكرة مجددًا، ولن يوقفنا سوى خالتي الكبرى مهددة ومتوعدة. وأما بالنسبة لاسم الكيكة الذي لا يمت بصلة للعبة، فهو أننا في مرحلة ما، لم نكتفِ بالتكايات، بل وضعنا الوسائد وشراشف الصلاة فوق آخر تكاية، كناية بالكريمة والفواكة فوق الكيكة. ومنذ ذلك اليوم، وأنا أعاني من الباروفوبيا، أخاف من أي شيء يضغط رأسي، أو يلتف حوله. سقطت الكيكة فوق رأسي مرات كثيرة، ارتطم رأسي بالأرض والتفت حوله الشراشف، ولا أعادها الله من لعبة. المضحك بالموضوع، رؤيتي لإخوتي الصغار يلعبونها، مع أننا تقاعدنا عن لعبها قبل ولادتهم، لكنها قد تكون دخلت بالجينات.
للاشتراك في النشرة البريدية : http://eepurl.com/iHmkuI
اكتسبت أيضًا رهاب الأماكن المغلقة بسبب لعبة الغميضة، كنت وما زلت أشد المتنافسين فيها، أحب فكرة إبداع طريقة للاختفاء، وأحب اللحظة التي ننطلق فيها هربًا بعد أن يُكتشف أول لاعب. لكنني أصبحت محدودة الخيارات في الاختباء؛ لأنني في طفولتي لم أقدر على الخروج من مخبئي. فور اختارنا للصيّاد، كنت أجري كالمجنونة للبحث عن مكان لن يجدني فيه أحد طوال اللعبة، اختبئت في مجلس النساء تحت طاولة صغيرة ذات مفرش. اطفأت اللمبات، واستلقيت على ظهري واحتضنت ركبتيّ. دخل كل اللاعبين بعد انتهاء اللعبة للمجلس لكنهم لم يجدوني. كانوا ينشغلون بالبحث تحت الطاولة الكبيرة، ابتسمت ابتسامة النصر، لكن سرعان ما تحولت ابتسامتي لفزع واضح على سحنتي. لم أستطع التحرك من مكاني، لم أقدر على مد ساقيّ أو الانقلاب. بقيت على حالي حتى جاؤوا للمرة الثانية للبحث عني في المجلس، تكلمت وأفصحت عن مكاني السري، وأخرجوني منه برفعهم للطاولة.
حتى أن خوفي من المرتفعات لم يكن مجرد صدفة، بل تولّد لدي بعد عدة محاولات أو بالأصح “مزحات” حاول بها أصدقائي الذكور ممازحتي بدفعي من الدور الثالث في منزلنا القديم.
قد تكون كل مخاوفي تكونت أثناء طفولتي، وذلك ما يعقد الموضوع أكثر لأنني طمست المواقف التي نشأت منها. ولو وددت البحث فيها سأضطر لفتح ملفات أكثر سوادًا، لكن هذه مشكلة لسارة المستقبلية إن لم تجد شيئًا لفعله.


