
لم يجدوا هيا، بل عادت هي بنفسها. كانت تركب حمارًا هزيلًا، يتدلى من جانبه الأيمن كيس قماشي أحمر اللون، وهو كل ما تملكه هيا من حاجيات. نزلت من على الحمار فور دخولها للقرية، مشت ممسكه برسنه، تسحبه تارة ويسحبها تارة أخرى. مشت أمام بقالة أبو رشيد، عرفها من أول نظرة، جسمها النحيف، ساعداها الضئيلان، غطوتها الخفيفة التي تشدها بيدها اليمنى من ذقنها لتستطيع الرؤية. تزوره مع والدتها في أثناء غياب والدها لشراء نواقص المنزل، تبكي لرفض والدتها شراء العصير لها، تنهرها والدتها بقبصة صامتة بعضدها، فيتحول البكاء إلى نحيب. يعطف عليها أبو رشيد ويناولها عصيرًا بالبرتقال، تخطفه هيا من يده بسرعة، فتسحبها والدتها من كمها مستعجلة إياها بالعودة، وتتمتم له بعبارات الشكر أثناء مشيها. شاهدها أبو رشيد تسحب الحمار بصعوبة قاطعة السوق، يعرف من أين أتت، ويعرف إلى أين تذهب، كما يعرف أهل القرية كلهم ذلك بدون أن يجهروا به. مر بجانبها منصور مجنون الحارة، صامتًا، ثبت بصره عليها، يلف رقبته كبومة حتى آلمته، ابتسم، قال مجلجلًا:
- هيا! هيا! هيا! وينتس يا هيا! أخيرًا جيتي يا هيا! دورناتس دورناتس بكل مكان
- ايه خلاص وخر
لحقها قافزًا يضحك، وهي تلتفت إليه مشيرة له بالابتعاد بيدها، رفعت صوتها مهددة، وقف يحدق فيها، توجس الخوف منها لأول مرة، وقف مكانه لثوانِ وعاد ماشيًا للخلف. يفكّر فيما أصابها؟ من المؤكد أنها منزعجة منه، كما تنزعج اخته منه دائمًا، وتشير له بيدها كما أشارت هيا إن خرجا معًا للشارع. تذكّر العلكة التي تعطيها هيا له، التفت وحاول اللحاق بها طلبًا للعلكة التي غابت عنه لسنة كاملة، لكنه تذكر إشارة يدها، عبس، فكر في نفسه أنه يتوجب عليه إسعادها بأي طريقة. عاد للقفز متجهًا للسوق، يرميه بعض الأطفال بالحجارة أثناء قفزه، فيؤدي حركة بهلوانية تعبر عن مفاجأته بالضربة، يضحك الأطفال، يرمونه مجددًا، يلحقهم، يهربون منه وهم يبكون. يوقفه أبو مساعد، يؤنبه على ملاحقة الأطفال الصغار وتخويفهم، يقول:
- والله ما سويت شيء هم اللي رموني اول!
- ايه خلاص خلاص انا أبجلدهم عنك
- تدري ان هيا جت؟
- صادق انت ولا تخثرق؟
- والله والله والله اقسم بآيات الله جلعني امووت هاللحظه شفتها تو جايه معها حمار
- خلاص بس فكنا من الموت صدقناك تقلع عن وجهي
ضحك منصور، ورفع يده ملوحًا لأبو مساعد، ومضى في حال سبيله تاركًا أبو مساعد مطرقًا في التفكير. يمشي أبو مساعد متوجهًا لمزرعته، يفكر إن كان عليه أن يفعل شيئًا ما. لكنه يعرف يقينًا أن هيا كانت في حال أفضل مما كانت عليه هنا، وأنها عادت بسبب انقضاء مشكلتها ولم تعد بسبب تفاقمها. يسرع الخطى للمزرعة، يبحث فور وصوله عن محفر أسود كبير، ينوي أن يملأه ببسر البرحي وأن يرسله كهدية لسلامة وصول ابنة صديقه. تسلق النخلة والشماغ يجمع ما بين ساق النخلة وخصره، يقص الشماريخ ويرميها على الأرض. يمره الجار أبو فهد، يرمي عليه السلام من الأسفل، يمتدح أبو فهد انتاج مزرعة أبو مساعد هذه السنة، ويقول:
- هالسنه ننشبع ان شاء الله بالشتاء من الكنيز
- ايه والله الحمدلله يكفي ناكل هالحين ونكنز
- الله يبارك لنا ان شاء الله
- اللهم امين.. ما دريت؟
- وشو؟
- يقول منصور ان هيا جت
- صادق؟
- يقوله المهبول والله ما ادري عنه
يعرفان أنها ستعود، لم يتناقشا بالموضوع أكثر، توادعا ومشى أبو فهد في طريقه عائدًا لمنزله. كانت هيا من تمر بمنزله لأخذ الفائض من البصل والطماطم، يلتقي بها أحيانًا أثناء عودته للمنزل من المزرعة. يضحك لخجلها الواضح بتصرفاتها، تتلعثم عندما يسألها عن حالها، وتميل برأسها للأسف؛ فتسقط عباءتها عن رأسها أغلب الوقت، مما يضطرها لإمساكها بوضع يدها فوق رأسها لكيلا تنزلق. في يوم زواجها، طلب من زوجته أن تكون معهم في المنزل منذ الصباح؛ لمساعدتهم بأي طريقة. لكنهم لم يحتاجوا للمساعدة؛ لأنه لم يكن هنالك يوم زواج أصلًا. وضعت أخوات هيا ملابسها في قطعة قماش حمراء وربطنها، رتبن شعرها ووضعن لها الكحل والديرمان. كلهن متزوجات، ولم تتبقَ منهن إلا هيا، ذات الإثني عشر عامًا.
ركبت الحمار ومشت أختها الكبرى معها إلى القرية المجاورة؛ لم تستطع أمها الذهاب لانشغالها بإدارة المنزل. لم تتوغل هيا في القرية، كان منزل زوجها على أطرافها، سألن عن منزله وأجابهن شايب بلحية بيضاء طويلة:
- ارجعن من وين ما دخلتن، بيته بالزاوية القصيا، بابه بيصير مفتوح
لم تكن القرية غريبة عليهن، فخالتهن تسكن فيها، لكن البحث فيها عن بيت آخر أشعرهن بالغرابة والوحدة. وجدنه سريعًا، الأطفال يركضون داخلين وخارجين منه، وتصدر منه أصوات نساء متداخلة. ربطن الحمار بشجرة قريبة ودخلن المنزل متوجسات. استقبلتهن عجوز ترتدي قميصًا أزرق، وتلف طرحتها على رأسها مخبئة شعرًا شديد الاحمرار تتدلى جديلته من خلف رأسها. عرفتهن فور رؤيتهن حتى قبل أن يفتشن عن وجوههن. رحبت بهن، ودلتهن للداخل. طردت الأولاد الصغار من وسط المنزل، وجمعت النساء المتفرقات بصرخة مدوية. طلبت من هيا أن تفتش، وبعد أن ترددت هيا، قالت العجوز مطمئنة:
- لا تستحين، هذا بيتتس، وانا ام رجلتس، امتس انا ولا لا؟
تلعثمت هيا وقالت:
- الا امي
- أجل افتشي، وانبسطي واستانسي مع البنيات قبل تظلم الدنيا ويجي رجلتس
اقشعّر جلدها، رجلها هي؟ لم تره، ولم تعرف منه شيئًا سوى صوته عندما تقدم لخطبتها في مجلسهم. صوته جهوري كما لو كان يسحبه من بئر جاف في صدره، هزت رأسها لتشتت تفكيرها به، وفصخت عباءتها لتجلس في وسط المجلس، بينما انشغلت اختها بالتعرف على باقي النسوة في المنزل.
في الليل، لم يكن لها أثر. باقتراب وصول زوجها من مشاغله اليومية، وباشتداد الفوضى والأوامر، لم تستطع استيعاب أي شيء. استأذنت للذهاب لدورة المياه الخارجية، جلست القرفصاء في الظلام، بكت، حتى شعرت أنها ستتقيأ قلبها. تنصلت للداخل بأنف يسيل كشلال، تمسحه بكف يدها. أخذت عباءتها، وارتدتها في الخارج، لم ينتبه لها مخلوق، الكل منشغل، والكل يريد أن يبدو مسؤولًا. قفزت من فوق برميل التمر الحديدي، واستطاعت العبور من فوق السور الخلفي للمنزل للشارع المظلم والخالي من العابرين.
ركضت وركضت، تتعكرف في بعض الحصوات في الظلام، وعندما وصلت للشارع المؤدي للسوق غيرت مسارها، لم ترد أن تثير استغراب أحد. مشت بهدوء، حتى وصلت لباب تعرفه جيدًا، باب علقت جديلتها بين خشباته بجلوسها على العتبة، باب أغلق في وجهها لمنعها من الذهاب للعب مع الأولاد في الشارع، باب استقبلهم بحب وكرم قبل كل شيء. طرقت الباب بعنف، جاءها صوت تألفه جيدًا، قالت:
- افتحي يا خالة
- من؟
- هيا
احتضنتها بقوة، بكت هيا أشد مما بكت في دورة المياه تلك ولم تكن تعرف أنها قادرة على ذلك. حاولت أن تفسّر قدومها لكنها لم تستطع بسبب شهيقها. أسكتتها خالتها وطلبت منها ألا تتحدث أكثر فهي تعرف كل شيء. أدخلتها لغرفتها، أطعمتها بقلًا وتمر، ونمن معًا تلك الليلة.
بدأت حملة البحث والتفتيش بنفس الليلة التي اختفت فيها هيا، اختها تبكي، والكل يشير لها بأنها تعرف. الرجال يدورون بالشوارع منادين على اسمها، والنسوة يرسلن الأطفال للاستقصاء من الأمهات في المنازل القريبة. وفي اليوم التالي، وكما توقعت الخالة، طرق بابها صباحًا، خبأت هيا في بئر المنزل الجافة، وغطت فتحة البئر بالتبن وبعض قطع الأخشاب. فتحت الخالة الباب ووجدت خلفه الزوج القلق، ضخم البنية، كث اللحية، يديه عملاقة، يحمل عصا عريضة، يتكلم باستعجال ويتطاير اللعاب من فمه. وبعد أن حلّفها إن كانت زوجته عندها قالت:
- ان كنت ما انت مصدقني ادخل دورها، بس ترا انت تدري اني بالبيت إلحالي ورجلي مسافر
- والله انه ما ودي وادري لكن تدرين انه لازم
- ادخل
وقفت عند الباب ودخل هو للمنزل، بحث في المطبخ والمخزن ودورة المياه وحتى غرفة النوم، أطل عليها من النافذة ولم يتجرأ على دخولها. اعتذر على فعلته وقالت له:
- تراها بنت اختي واعزها واغليها وابي اشوفها زي ما انت تبي، ان عرفت اي شيء علمني
شاركت الخالة عمليات البحث عن هيا، ودخلت منزل الزوج وهي تبكي وتسأل عن أي شيء جديد. وهي خارجة، انتبهت للكيس الأحمر المفتوح والمنثورة أغراضه في إحدى الغرف، جمعتها وغطته بعباءتها وخرجت من المنزل.
طلقها زوجها بعد حوالي السنة من اليأس، وخرجت هيا من منزل خالتها كما دخلته، في وسط الظلام، يدثرانها الخوف والفرح، وتزوجت مجددًا ببلوغها الثامنة عشرة.
للاشتراك في النشرة البريدية : http://eepurl.com/iHmkuI




