
اليوم أكملت عامي السادس والعشرين بالهجري، وهذه تحتاج لتدوينة خاصة للبكاء فيها. لكن يوافق اليوم انتقالنا من الباحة وتحديدًا من المندق، إلى جدة.
تحفّظت على اسم المحافظة التي أسكن فيها طوال سنتين، ولا يوجد سبب غير أنني أصبحت أكثر حرصًا على معلوماتي الخاصة بتقدمي بالسن. رددت كثيرًا:” جاية من الباحة” و “بروح للباحة” و “أسكن بالباحة” وإنما في الحقيقة أسكن وأعيش في وأعشق المندق، والتي تبعد ٤٥ دقيقة عن الباحة.
قضيت في المندق سنتين وواحد وعشرين يومًا، وهي أقصى مدة عشتها في مكان ما غير الزلفي، مكان نشأتي. تشترك المحافظتان بالعديد من الصفات التي جعلت من تأقلمي سريعًا. كلتاهما محافظة هادئة، لا يُفزِع فيها سوى القطط التي بدورها تُفزَع برمي أكياس القمامة. كان الحي الذي أسكن فيه في صغري بالزلفي محل تندر، حيث كانت كل المنازل تنام مبكرًا، على عكس باقي الأحياء التي كانت تبقى متيقظة حتى قبيل منتصف الليل. وكنت أُقابل بالضحك حينما ترد معلومة أننا تعشينا بعد صلاة العشاء، أو بعد صلاة المغرب شتاءً في أثناء حديثي. وانتقلت من حي ينام مبكرًا، إلى محافظة كاملة تنام مبكرًا، وكنت أنا وزوجي حينما نقف في الإشارة في التاسعة والنصف مساءً في الخارج، لا يشاركنا أحد الوقوف. المحال مغلقة، والأنوار مطفأة، والجميع قد سبقونا للنوم. لم يكن ذلك مزعجًا بالنسبة لي، تحققت أمنيتي بالمداومة على الاستيقاظ صباحًا، ولم يعد نومي يتقلب كما في السابق. أدمنت الجولات والطلعات العصرية، ولم أعد أشرب القهوة بعد الغروب. تنتعش المندق صباحًا، الفوال مزدحم، أعمار مختلفة تمارس الرياضة بعد شروق الشمس في الحدائق، أطفال في البقالات، ورائحة حمس للبصل تنتشر من البيوت. شعرت أثناء عيشي في المندق بالحياة، الهواء نقي، الجو منعش، ونسيت احساس أن أنحرق في الشمس، ولم يعد للصيف ذكرى سوى الأمطار الغزيرة ودويّ الرعد وانقطاع الكهرباء.
قالت لي إحداهن من أهل الباحة وانتقلت للعيش في جدة:” أكثر شيء يجيب لي الوحدة في الباحة إن البيوت كلها فيها لمبة وحدة تشتغل طول الوقت.” وقالت أيضًا إحداهن كانت في أضم وانتقلت لمكة:” أكثر شيء أكرهه قبل مكة إن طول الوقت ظلام، وما فيه إلا لمبات قليلة تشتغل.” وهذا الذي كنت أشعر بعكسه تمامًا، شعرت فور رؤيتي للمنازل المضاءة ليلًا بالاطمئنان، أنني ان احتجت لأي مساعدة فالبيوت مفتوحة أبوابها ومضاءة، شعرت بالترحيب أكثر منه بالوحدة. الجميع في المندق معطاء ومرحب، يتسابقون على الجود، كرماء في بذلهم وحديثهم، يردون على الكلمة الطيبة بعشرة كلمات، وما إن تذكر أنك تفضّل شيئًا حتى يغدقوا عليك منه. لم أتذوق ألذ من التين في المندق، ولم أجد خوخًا أشد حلاوة مما أكلته فيها، والرمان الذي أحببت مشقة تقشيره للذته. تفيض المندق بالحب، ويظهر ذلك جليًا في طيب إنتاجها.
علمتني المندق الكثير، وأدين لها بهذه المعرفة. لا توجد تطبيقات توصيل في المندق بعد، المحلات التجارية محدودة، وإن أردت شيئًا، فاصنعه بنفسك. أعتبر نفسي مؤخرًا من عشاق الحلويات، وقد يكون اكتشافي هذا من الأمور الكثيرة التي أدين بها للمندق؛ لأنها ساعدتني على اكتشاف نفسي من جديد. خبزت السينابون بطرق عديدة، وتعلمت إعداده أكثر من مرة حتى أتقنته. تعلمت الكوكيز بانواعه، والتشيز، والكعك، والبسبوسة والدونات، وأجزم أنني الآن استطيع بيعها لشدة إتقاني لها.
شجعتني المندق على التعامل مع الحيوانات، فزعت أول مجيئي من الكلاب، ترتعد فرائصي برؤيتها بجانبي. لكنني بمرور الأيام أيقنت أنها حتى هي تعيش بقوانين المندق، لا تنبح، لا تهجم، لا تنفخ. اكتفي بالتصفيق وتختفي من ناظري. وفي فترة من الفترات، التصق زوج من الغربان العملاقة بنافذة مطبخي، فزعت. أول مرة في حياتي أرى هذا الحجم من الغربان، حتى أنني خفت إن أفزعتها ستحملني من رقبتي وستطردني خارج بيتي. تعلن تواجدها في الساعة التاسعة صباحًا أمام النافذة بطرق مخيف، تطرق الزجاج بقوة! ويحاول أحدهما دايمًا إيجاد ثغرة في النافذة للدخول. لم أفعل شيئًا المرة الأولى، خفت أن يحاكمانني فور خروجي من البيت وسينقران رأسي كما نقرا النافذة. في المرة الثانية استجمعت قواي وضربت النافذة، ولم يحدث شيء، كأنهما يعرفان أن ليس وراي إلا الضعوي والذيب الي يعوي. في اليوم الثالث ضربت بقوة وصرخت، وانتقالا إلى نافذة البيت الأخرى، ولحقتهما وضربت، وانتقلا لنافذة المجلس، وهكذا دواليك لعدة أيام، ألاحقهما من نافذة لأخرى، حتى صرت أفتح النافذة لأتأكد من ابتعادهما حتى اختفيا. كما أنني كنت على وشك دهس أم أربع وأربعين عملاقة لدى خروجي من المنزل بالأمس، لكنني لم أفزع ولا شيء، مشيت بجانبها كما لو كانت قطعة قرطاس.
من مزايا العيش بعيدًا عن الأهل في بداية الزواج، أنني ومحمد عشنا الكثير من الذكريات معًا، ولم نرتبط بمسؤوليات اجتماعية كثيرة ولا زيارات. وأما عن مزايا العيش في مكان طور الانشاء في بداية الزواج لهي تجربة أشتريها بأغلى أثمانها. عشنا تجارب جديدة أولى كثيرة معًا، عشنا محاولة صنع شيء من لا شيء، حاولنا صنع سينما، وجبات طعام فاخرة، نادي رياضي، مرسم، ومقهى.
ساعدتني المندق على التأمل أكثر، توجد الكثير من الأشياء لمشاهدتها من النافذة، خصوصًا في الشوارع، الطبيعة والحيوانات والسماء وأناس حقيقيين كُثر. وأقصد بحقيقيين بوظائف لم أعد أشاهدها بشكل يومي، نجّارين يعملون في الخارج، حدادين يضعون الأقنعة وييذيبون الحديد، شُعّار يلقون القصائد في ساحات قاعات الزواج ورجال كثر يقفزون في الهواء ويرقصون، وأناس أكثر يجلسون على سفح جبل، بدون القيام بأي شيء، يتأملون كما أتامل أنا.
انتهى فصل مثير من حياتي بماراثون شاركت به يوم السبت، أول ماراثون رسمي أشارك به. تدربت لمدة لا تقل عن شهرين، وأنجزت الحمدلله السباق كما تدربت لذلك وبرقم قياسي. قضيت الشهرين السابقين بالتدرب على الماراثون وعلى ملء الصناديق بحاجياتنا القليلة استعدادًا للانتقال. تراكضت أيامي أسرع من ركضي بها، انشغلت بحفظ تفاصيل المندق أكثر، أود حفظ كل شبر منها في ذاكرتي، وأود استنشاق هواءها حتى تخضّر رئتي كأرضها، وأتمنى ألا تنساني لأني أعتز بها.
متحمسة لفصل جديد من حياتي في جدة، المدينة التي حلمت بالعيش فيها منذ صغري. قلت لمحمد قبل يومين:” من كثر ما عندي أشياء كثيرة بسويها بجدة، ما أدري عمري بيكفي ولا لا”.
حتى الاثنين القادم، ان استطعت انتشال نفسي من تفريغ الصناديق، إلى اللقاء يا أصدقاء.
—
بكيت أثناء كتابة هذه التدوينة في المقهى المقابل لمنزلي في المندق ريثما يقوم العمال بتحميل الأغراض. كنت أترقب افتتاح المقهى منذ بداية العمل فيه، وزرته فور افتتاحه، حتى قبل أن يتعلم الباريستا العربية أو الانجليزية. وسعدت الآن في إجازة الصيف لازدياد مرتاديه، وكأنني شاركت في إنشاءه. ينظر لي الباريستا بريبة، ولا يستطيع التواصل معي، حتى وإن اختفى حاجز اللغة، فكيف سأشرح له شعوري؟ المقهى، المنزل، المندق، وسنتين من الأماني.








