ملعقة ساخنة ورموش

قالت:” إن لمستيها والله لأذبحك!”

لمستها ما إن انتهت من جملتها، تحت نظراتها المصوبة علي، رفعت يدها، ركضت خارجة من الغرفة. تبعني صراخ لم أفهم أغلب كلماته، أضع يدي على قلبي، نبضاته سريعة، أتوقع بأنه سينفجر. جلست على الأرض خلف ستارة مجلس الرجال المظلم، ضغطت بقوة على قلبي، دعوت أن يهدأ، خفت إن انفجر سيمتلئ المجلس بالدم، وسيغضب والدي على والدتي لسماحها لي بالدخول للمجلس، وستضطر لتنظيفه لوحدها. تجلس على الأرض، تفرك البلاط البارد بقميصي الصيفي المهترئ، وتعود للوقوف مجددًا للذهاب لتغيير حفاضة أخي الصغير المولود حديثًا، وستعود بعد أن تنتهي منه لتنظف المتبقي من دمي، وشعر رموشي الذي تهتم به أكثر من أي شيء آخر.

هدأ قلبي، رفعت أصابعي بشكل تلقائي لرموشي، بدأت بسحبها شعرة، شعرة. يقف شعر ساعدي لسبب أجهله مع كل شعره أسحبها. تألمت في المرة الأولى التي انقطعت بها أول شعرة من رموشي. كنت في غرفة نوم والدي، لوحدي، أجلس على كرسي تسريحة والدتي، أسحب الأدراج بالترتيب، أشياء غريبة تقفز في وجهي قبل أن أمسكها. فرشة شعر خشبية برأس دائري، يلتف عليها شعر كثير يمنعني من لمس أطرافها المدببة. لففتها على خصلة من شعري، ولم أستطع إخراجها، سحبتها بقوة حتى سمعت شعرات تقطعت من رأسي. وهذه علامة جيدة على أنني اقتربت من حل المشكلة. سحبتها بقوة وبسرعة، سمعت لحنًا قصيرًا من تقطع شعري، وخرجت الفرشة أخيرًا. أعدتها للدرج ووضعت شعري الطويل والمتشابك من اليسار داخل رقبة قميصي. أعجبني روج برتقالي اللون، فيه لمعة خفيفة، وضعت منه بحذر على شفاهي بدون أن يخرج من حدودها. ووضعت القليل منه على جفوني لأشعر باعتدال زينتي. وجدت مقصًا صغيرًا، صغير لدرجة بالكاد يتسع لأصابعي. فكرت في الحاجة لاستخدامه، مررته على يدي، لم أستطع قص أظافري. مررته على ساقي، على رأسي، توقفت عند عيني، حجمه مناسب لرموشي، هذا مقص رموش إذًا. علقت أول شعرة من رموشي بين شفرتي المقص، سحبته، آلمتني عيني بانتزاع الشعرة، نزلت دموع كثيرة، مسحتها وحاولت القص مجددًا. اجتمعت رموشي كلها كشعرة واحدة بفعل الدموع، سهل ذلك علي القص، قصصت كل رموشي دفعة واحدة، وتوجهت لفعل ذات الشيء بعيني الأخرى.

في اليوم التالي، سألني والدي عن احمرار وجهي، مع أن أصابع والدتي كانت قد بانت على خدي. لم أخبره أن والدتي ضربتني، اكتفيت بالصمت. أنبني على قص رموشي، وأنبني على العبث بحاجيات والدتي. دخلت والدتي أثناء حديثه معي، رمقها بنظرات غريبة، تحاشت أن تبادله النظرات، وضعت كأس العصير أمامه وغادرت الغرفة. بدأ بشرب العصير ومتابعة التلفاز، بينما جلست بجانبه بهدوء، أفكر.

بعد مدة من الوقت، بعد أن طالت رموشي، أصبحت ألمسها بشكل دائم، تضرب والدتي يدي كلما رفعت أصابعي للمس عيني. سألتها مرارًا عن سبب ضربها ليدي، وعن سبب انزعاجها لرموشي القصيرة، حتى أنها لم تجبني إن كان استخدامي للمقص صحيحًا. تنتابني مشاعر الفرح في اللحظات التي لا تعرف فيها والدتي أنني ألمس رموشي، جربت انتزاع شعرة لأقيس مدى انتباهها، لكنها لم تلاحظ أبدًا. كل عدة أيام، أسحب شعرة، حتى لاحظ والدي، وسأل والدتي عن قلة رموشي. نادتني والدتي أثناء جلوسها مع والدي، سألتني إن كنت قصصت رموشي؟ نفيت التهمة، لأنني لم أقصها، بل سحبتها. قالت:” إلا بلى! قاصتها! لا تكذبين!” ومع كل حرف كان صوتها يعلو أكثر فأكثر، حميت وجهي بيدي، التفت والدي لها وحدجها بنظرة غاضبة، وأمرني أن أنصرف.

للاشتراك في النشرة البريدية : http://eepurl.com/iHmkuI

أنظر لصالح بتمعن، أتأكد من انصاته لي، صديقي الذي لا يراه أحد غيري، وأكمل عليه الحكاية. وجدتني والدتي بعد دقائق خلف الستارة، لم أرفع يدي عن عيني خوفًا من أن تكتشف مكاني في اللحظة التي دخلت بها المجلس، توجهت لمكاني مباشرة، ولم أزل يابسة في مكاني. رفعت الستارة، لم تقل شيئًا غير:” يا عنادك” سحبتني من يدي التي تغطي عيني. توجهنا للمطبخ، آلمني معصم يدي من سحبها القوي، أخرجت ملعقة، سخنتها على الفرن، لم أعرف ماذا ستفعل بها، توقفنا لدقائق بصمت أمام الفرن، يتغير لون الملعقة، أثار اهتمامي الموضوع، شعرت بالانبساط للقيام بشيء جديد، رفعت والدتي الملعقة عن النار، نزلت لمستوى نظري، وقالت إنها ستقوم بهذه الحركة في كل مرة ألمس فيها رموشي، وضعت الملعقة في راحة يدي ورفعتها سريعًا، لكنها كانت كفيلة بمعرفتي لنتيجة تسخين الملعقة ووضعها على الجلد. أرفع يدي وأريها لصالح، يكتفي بالصمت كما يفعل بالعادة، وأكمل الحديث.

بعد تحسن حالة يدي، وعودتي للعب بأدوات المطبخ البلاستيكية خاصتي، وجدت اليوم المقص الصغير مجددًا بجانب حقيبة حاجيات أخي الصغير. أخذته وقصصت رموشه، اختصارًا للجهد الذي ستقوم به والدتي للعناية به. لم تكتشف والدتي ذلك بعد، فأخي الصغير ما زال نائمًا. رفعت بصري لصالح، يرفع ابهامه مشجعًا بابتسامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top