أربعة أشهر من الامتنان

أكملت سنة ونصف من كتابة اليوميات، كتبتها بلا انقطاع، صباحًا ومساءً، مطرًا وغبارًا، وهذا هو انتصاري الأبرز لقائمة عاداتي. ولا أتذكر ما هي نقطة التحول التي جعلتني اختم كل صفحة بثلاثة لحظات أمتن لها ليومي، وها هي الآن أربعة أشهر كاملة من الامتنان والاطمئنان.

في بداية كتابتي للحظات امتناني، لم أكن أشرح لما أنا ممتنة لتلك اللحظة بالذات، وأكتفي بذكراسم الشخص أو الشيء بشكل عام. وواجهت مشكلة عند قراءتي ليومياتي السابقة بنسياني لما أنا ممتنة لفلانة؟ أو لذلك الشيء بالتحديد؟ ولكي أكون صريحة، مع إعادة قراءتي لبعض اليوميات السابقة وجدت امتنانات عجيبة غريبة، ولكنها جعلت من يومي سعيدًا بلا شك، وإن لم أكن قد سجلت امتناني لها، لكنت أعدها مسلمة من المسلمات أو لرميتها في حقيبة النسيان.

بعد حلي لمشكلة نسياني لما أنا أمتن لهذا وذاك، واجهت مشكلة أخرى، وهي الامتنان لأبسط الأشياء، قد تظن عزيزي القارئ بأنني أهذي وامتناني هذا لا يعد مشكلة بقدر ما هو هوس، لكنني بدأت بالتفكير بطريقة استحقاقية نوعًا ما، لما أمتن لهذا الشيء بينما هو واجب على فلان بأن يقوم به لأجلي؟ لما أمتن لذاك وأنا أستحقه بالأساس؟ لما أمتن لهذا بينما أستحق الأفضل منه؟ ظللت أسبوعًا على هذه الشاكلة، أتردد بكتابة قائمة امتناني اليومية واختارها بحذر، إلى أن وقفت على مشهد أرشدني إلى ضالتي.

لأكون صادقة، فقدت نسيت الموقف الذي جعلني أجد ضالتي، لكنني متيقنة بأن مصدره إما صديقتي رناد أو منيرة أختي، أو أنا. سأقوم بذكر ثلاثة مواقف قد يكون أحدها صحيحًا، وقد لا يكون أي منها صحيح، لكن العبرة بالنهاية.

1- قمت بذكر تردي حالتي النفسية في إحدى مواقع التواصل، ولم أكن أطلب يد المساعدة أو مسحة الشفقة، وإنما طريقة للتعبير عما أفكر

به و أواجهه مؤخرًا، ولم أكن أتوقع أي رد على فضفضتي بالحقيقة، فلم يكن من عادة صديقاتي الدخول في أموري إلا بعد أن أفصح بها لهن مباشرة، وهذا ما أفضلّه، من صديقاتي، والجميع، ولكن رناد فاجئتني باهتمامها بالموضوع، وقامت بالاطمئنان علي، وبينما الجميع قرأ فضفضتي وأكملوا تمرير أصابعهم على الشاشة، اختارت هي تمرير اصابعها في محادثتنا وضغط كلمة إرسال.

2- بينما كنت أشارك في إحدى حروب المطبخ لإعداد العشاء، دخل والدي حاملًا فلينًا مستطيلًا من الكركديه، وضعه وهم بالرحيل، إلا أنه توقف والتفت إلي وقال:” ترا شريته عشانك وأنا أبوك” فقد كنت عبرت عن رغبتي بشرب الكركديه قبل مدة، ولم ينسى والدي ذلك، وأحضره من أجلي. لم نعتد أن نتبادل أي من تلك الكلمات، لا كلمة عشانك، ولا أحبك، ولا أي كلمة سكرية تعبر عن الاهتمام والعاطفة في منزلنا، إلا أنه اختار أن يقول لي:”عشانك” في ذلك الوقت.

3- في أقصى حالات نشاطي و”اسفهلالي” كما تقول جدتي، في أحد الأيام معتدلة درجة الحرارة، وفي منتصف الليل تمامًا، ألغيت محاضرتي وقضيت وقتي أشاهد اليويتوب بعد مدة انقطاع، هممت بترك الغرفة وترك منيرة لتنام بعد أن اختنقت هي بخفة دمي من الضحك، وعند إغلاقي للباب نسيت أنها أختي لوهلة، وهممت بالقول “تصبحين على خير” ولم أكن قد نطقت بها لأحد سوى لوالدي ووالدتي وصديقاتي، انفجرت بالضحك وسألتني:”وش فيك تضحكين؟” قلت:”بغيت أقول لك تصبحين على خير” قالت بعد أن ضحكت هي بدورها:”استغفرالله طيب قوليها” اخترت الطريق السهل الممتنع وقلت:”تصبحين على خير” ضحكت هي ولا أعلم في الحقيقة إن كانت ردت عليها أم لا.

هذه ثلاثة مواقف أثرت بي، وجعلتني أفكر مليًا، هل أنا مسكينة لدرجة أنني استكثر الاطمئنان؟ أو كلمة “عشانك” أو”تصبحين على خير” ؟ لا، أنا لست مسكينة، ولست مثيرة للشفقة، وإنما فعل بسيط جاء في وقته الصحيح. الشخص لديه الاختيار بأن يفعل ما يريد، أن يكمل القراءة، أو أن يترك تعليقًا، أن يمشي أو أن يقف للمساعدة، الإنسان غير مجبر أبدًا لفعل أي شيء، لا يوجد أي أحد يستطيع بأن يمسك إصبعك وأن يرغمك على الاطمئنان على صديقك إلا إن أردت أنت أن تفعل ذلك، إلا إذا اخترت أنت القيام به. الخيارات هي

ما تقوم عليه حياتنا، نحن نستحق بالطبع، أنا أستحق حتى أفضل من كلمة عشانك من والدي، لكنني لا أستطيع إجباره على إخباري بالمزيد، وهو لديه الخيار أولًا بأن يقول “عشانك” أو بأن يترك الصندوق ويخرج، لكنه اختار أن يقولها، وهي في الحقيقة أفضل ما عنده خخخ.

أنا ممتنة لاختيار رناد بالرغم من كل الخيارات المتاحة لها وقتها، اختارت أن ترسل لي “وش فيك؟” ممتنة لاختيار والدي، ممتنة لاختياري أنا، ممتنة للاختيارات العديدة التي تمت بدون أية ضغوط. توجد حالات لا يكون للاختيار فيها مكان، إما التصرف أو الوقوع في موقف حرج، ويتوجب علي أنا كشخص يستقبل تلك الخيارات أن أفرق بينها، بينما ما يتوجب على الشخص فعله تجاهي، وبينما ما يملك هو الخيار تجاهه.

استمعت لبودكاست ثمانية حلقة – كيف أصبحنا جيلًا هشًا نفسيًا- وهي حلقة أشيد بها قبل كل شيء، أجاب فيها الدكتور عبدالله

السبيعي على سؤال” كيف نحافظ على استقرارنا النفسي؟” وكان من أحد الطرق أن نبقى إيجابيين، وكيف يكون ذلك؟ أجاب الدكتور بأن أحد الطرق وأفضلها للبقاء إيجابيين هي كما أسماه “دفتر النعم” وهو دفتر مخصص لكتابة 5 أو 4 أشياء يكون الشخص ممتن لها فينهاية يومه، بدلًا من التفكير بكل التساؤلات القلقة محدقين بأعيننا للسقف، لنتأمل بدلًا من ذلك في أفضل ما حدث لليوم. وكما قال بأن الاستمرارية بهذه الطريقة تخفف من وطأة المواقف العصيبة على الشخص، لأنه حتمًا سيجد موقفًا إيجابيًا واحد في عتمته، وهذا ما

لامسته أنا شخصيًا، فبعد كل يوم عصيب، أجدني ابتسم نهايته، لأنني أمتلك الكثير من الأفراح الصغيرة التي تعوضني عما فقدت في

بدايته.

وكخاتمة لهذه التدوينة الطويلة جدًا، أنا ممتنة لقراءتكم، وممتنة لقدرتي على الكتابة، وممتنة لوجود مدونتي اللي أكب فيها عفشي.

جزء من أغرب امتناناتي التي وجدتها في دفتري:

1- ممتنة للآيفون لأنه حتى وهو صغير يمدينا نسوي فيه أشياء كثير، ويستاهل سعره الصراحة

2- كيك بيتي كروكر لأنه خلا الطبخ أسهل وأمتع واسرع

3- صديقاتي لأنهم يضحكون على نكتي

4- ممتنة لسديم عشانها دايم تبتسم

5- منيرة اختي عشانها تشاركني أكلها

6- مامامنيرة عشانها تعطيني فلوس

7- ممتنة للنت لأنه يربطني بالعالم

8- ممتنة لأحمد أخوي عشانه وسيلة مواصلاتي

9- ممتنة لأمي لأنها حليلة

10- فيصل أخوي لأنه ما يدري وين الله حاطه

11- جريس أخوي لأنه يشيل أغراضي عني

12- أبوي لأنه يشتري الأغراض ويشيلها عني

13- اللون الوردي لأنه حلو

14- الزخرفة والعمارة الإسلامية لأنها تفتح النفس

15- البندول

16- الولادة لأنها تمحي الذنوب

17- الكندل لأني أقرأ فيه وأنا منسدحة

18- الفلوس لأنها تخلينا نشتري عشاء من المطعم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top