ما بين ثلاثة وثمانية والكتابة واللوحات

لا أزال في طور اكتشاف اسلوبي الكتابي ومراقبة روحي التي اضع جزءًا منها في كل نص، أتعلم كل يوم الأفكار التي ينبغي ردمها ونسيانها والأفكار التي لابد علي ترك ما بيدي لكتابتها، وما زلت حتى هذه اللحظة لا أعلم ما الذي يتوجب علي فعله تحديدًا أثناء مواجهتي لعقبة -writer’s block- أو عند نضوب أفكاري، وخلال هذا كله يقع ما بين كتابي ثلاثة ومقالي الأخير في ثمانية.

كان الكثيرون ممن حولي عميانًا عن جدوى كتاباتي، ولا زالوا، وربما كنت كذلك في بعض الأوقات، لا أرى نفعًا من نصوصي القصيرة التي ابعثرها هنا وهناك، لكنني أقوم بها على كل حال، كما أجوع للقراءة، أجوع للكتابة، وأظن جوعي ونهمي المستمر لتكوين الكلمات وصياغة المشاعر كان سببًا بعد توفيق الله في مسيرتي الكتابية. كتبت لساعات، لأيام، على الورق، وعلى لوحة المفاتيح. انشأت مدونة، انشر شهريًا، اصدرت كتاب، نشرت مقالة في منصة إعلامية مرموقة-أنوي سرقتها- ماذا بعد؟

ما بين ثلاثة وثمانية والمئة والمليون، قررت أخيرًا ما سأفعله في سنواتي القادمة. اليوم في الجامعة، بعد حديث مطول عن الحياة ما بعد التخرّج قلت:”أنا بصير كاتبة، قررت أكمل كتابة وآخذها بشكل جدّي” ومن خفّتها على لساني لم أشعر بها وهي تغادر فمي، وكأنني لم أسهر ليالٍ عديدة بالتفكير بها، وكأنني لم أحلم بكوابيس بسببها، وكأنني اخترتها بالصدفة المحضة، أو هي اختارتني بالصدفة، وكأنني ولدت وأنا أعرف السباحة، ولم أبذل جهدًا بتعلمها قط! لا تكمن المشكلة في الكتابة، وإنما فيني أنا، أشعر بظمأ شديد للحياة، أريد تجربة كل شيء، وعيش أكثر من حياة، وليس لدي سوى حياة واحدة لأعيشها، ولا أعلم في أي اتجاه أريد إنفاق نفسي فيه، ولا أية طريق أريد ارتحاله، وليس لدي بالطبع شاشة أشاهد نفسي من خلالها في الأكوان المتوازية لأرى اختياراتي المتفرقة في كل كون. لذلك انسياب فكرة أن امتهن الكتابة بهذه السهولة مطمئن بعض الشيء، بأن الفكرة الآن عشعشت في عقلي الباطني، وهذه هي الخطوة الأهم.

*****

لوحتي التي أراها معلّقة أمامي في كل مرة أغمض عيني فيها ملوّنة، ملموسة، تبرز منها الألوان، إمباستو، كما أفضّل أن تكون. بحيث أرى اللوحة، أشمها، ألمسها، وأستطيع سماعها. تنبض لوحتي بالحياة، وتسيل منها الألوان، أستطيع مليء علب طلاء منها، وأقوم بتوزيعها، أخشى أن تتوقف عن العطاء، أن تجف الألوان، تعود لوكنها لوحة عادية على أحد الجدران، بين الملايين من اللوحات، لا شيء مميز، ولا صورة تعلّق في الذكريات. ستبلغ لوحتي الثالثة والعشرين في اليوم الوطني، ولا أعلم لما أراها أكبر من ذلك، كما لو كانت تملك جذورًا مخفية في الجدار، تعود جذورها لآلاف السنوات، ومع هذا فما زالت تنبض بالحياة كما لو كانت في الخامسة، سأحرص جاهدة على ألا تتوقف عن كونها لوحة استثنائية، ولو كلفني ذلك الكثير من التضحيات.

*****

الجزئية الأولى لهذه التدوينة كتبت قبل عشرة أيام، وظلت حبيسة الملاحظات، وأما الجزئية الثانية فقد كانت وليدة اللحظة، كتبتها حالما رأيت الرسالة في التيلقرام اليوم. ولا أعلم إن كان الموضوعان مترابطين، لكنني فضلّت نشرهما معًا.

وحتى تدوينة أخرى، أخف وزنًا من هذه، إلى اللقاء يا أصدقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top