غرامة الصحون المكسورة

عيدان تتكسر، أصوات تحطم مرتفعة، وأنفاس تلتقط بصعوبة. ألتقط هاتفي لأتأكد من الساعة، الثانية بعد منتصف الليل، ما الذي يحدث؟ أستعين بضوء هاتفي لأرى طريقي في الكرفان، يصرصر الحديد من تحتي، تهتزل الأرضية بالمشي فوقها، رائحة زنجبيل تفوح من ركن المطبخ، لم أدخل الزنجبيل الطازجة للثلاجة، سأدخله فور عودتي من الخارج. أرتدي شال الصوف الكحلي، أغطي أذني، تقول والدتي بأن البرد يدخل مع الآذان، لذلك لا أهتم إلا بتغطيتها. أرتدي جواربي القطنية، وأحاول إرغام الجورب على التأقلم بالدخول بين فتحات النعال. أمسك هاتفي بيدي اليسرى وأشغل الفلاش، وآخذ بيدي اليمنى عجرة والدي، إن كنت سأواجه سرقة في الخارج، فأنا لها.

أفتح الباب بقوة مصطنعة، الأهم هو الانطباع الأول، ألوح بيد مرتعشة من الخوف لا من البرد يمينًا ويسارًا، لا توجد أي حركة في الجوار، انزل من على الدرج، أتنحنح، أتوجه مباشرة إلى الخيمة الرئيسية، الجمر لا يزال مشتعلًا من الليلة السابقة، تتحرك الخيمة بفعل الهواء، يخيل لي أنها ستقتلع خلال دقائق، وستحملني أنا والإبل معها حيث لا عودة. أتجول في داخلها، لا توجد أجسام مختبئة خلف المراكي، ولم تؤخذ بندقية والدي المعلقة على العامود الأوسط في الخيمة. تراجعت للخلف، خرجت من الخيمة أتنحنح، أستعيذ من الشيطان الرجيم، وأسرد مخططاتي الخيالية على نفسي، أذكر نفسي بمسابقة الرماية، وموعد ذهابي للنادي وقرب وصولي والدي للمراح. تزداد الأصوات باقترابي للإبل، أمسح عرق يدي بقميصي الرمادي وأعيد إمساك العجرة، أستعين بضوء هاتفي لأتلمس طريقي، ليلة تخلو من القمر، والسماء بلا نجمة واحدة. يرتفع قميصي بفعل الهواء ولا أهتم بتعديله. أصوات جرجرة تصلني مع الهواء، وهدير متتابع، وبالكاد أمسكت مثانتي من الانفلات.

أصل لمراح الإبل، كلها هادئة، بعضها برك على الأرض، وبعضها يجتّر، ينظرون لي كدخيل، لم أنل رضاهم حتى هذه اللحظة. يوميًا أعالج نفسي من رضة في فخذي، أو عضة في ساعدي. ينصحني والدي بأن أكون أكثر لطفًا، وأنا أصلًا عطوف، بل أشد عطفًا من والدي نفسه، إلا أنها تأبى إلا أن تقودني هي لا أن أقودها أنا، فأمشي على رأيها، ونذهب لما تريد، فأنا أؤمن بالديموقراطية قبل كل شيء، ولعل هذا هو أساس المشكلة.

يصلني الصوت مجددًا بعد انقطاع، صوت حديد ينثني، وضربة قوية أسمعها على مقربة مني. أبتلع ريقي، أمشي على أطراف أصابعي، أفكر هل أصرخ أو أمشي بهدوء؟ اخترت الصراخ، لا لخشونة صوتي وجهوريته، فأنا أقرب لصوت اختي سعدى من شاب في الثانوية، صرخت مستعلمًا، سألت إن كان للبشر وجود عند زاوية المراح، صرخت لا للهجوم وإنما للتسنى لي فرصة الهرب. إلا أنني لم أحصل على إجابة، بل على منظر مفزع. التقيت عيناي بعيني الفحل، السلسلة التي ربطته بها ملتوية على رقبته ويده، عيناه تلمعان في الظلام، وأنفاسه الحارة ترتفع فوق رأسه. يخرج الزبد من فمه، بينما تقارب روحي على الخروج من جسمي. الحديد الذي يحيط بمكانه التوى أغلبه، وأما عن الحواجز الخشبية فأصبحت فتاتًا تحت أقدامه، بإمكانه الخروج الآن بدون رادع. تمنيت أنني أمام سارقين مسلحين، على أن أجدني أمام هذا المنظر.

يحرك رأسه للأعلى والأسفل، مصوبًا اتجاه نظراته علي، أظنه يدعوني للمواجهة. تهتز السلسلة بحركة رأسه، وأتخيلني مجلودًا بها عند معرفة والدي بهذا كله. أقدامه محرره، إلا من يده اليمنى التي ربطت بشكل ما برقبته، أظنه حاول كسرها هي الأخرى إلا أن النتيجة أصبحت عكسية. أحاول الاقتراب خطوتين، إلا أنه بصق علي، لا أعلم إن كانت هذه الحركة تهديدًا أم استهزاءً. أعود أدراجي بدون أن أبعد نظراتي عنه، أمشي ببطء إلى الخلف، أطفئ هاتفي، أمشي بالظلام رغبة بتهدئة الوضع. خطوة بعد الأخرى، أكاد لا أتنفس، إلا أن هدوئي هذا كله اختفى بعد اصدامي بالمضخة.

سقطت على ظهري، سيقاني تطير عاليًا أمامي، وأما نعلتي التي لم تستقر بين أصابعي طارت وتشقلبت أمام ناظري، انتهت شقلباتها بهبوط مثالي على جبهتي. انتفض بفعل المضخة تحت سيقاني، تنفضني معها بقوة، أرفع سيقاني عنها وأتأوه. أبحث عن فردة نعلتي الأخرى، انشغلت تمامًا عن عدوي الهائج، والذي فاجئني باقترابه مني.

في محاولتي للنهوض، اهتزت ركبتاي بشدة، لم أستطع الوقوف، أراه يقترب لي بسرعة، رقبته مشدوده ليده، يعرج بسبب ذلك، يسحب يده وتميل رقبته بكل اتجاه، إلا أنه يبدو عاقد العزم على هرسي، أشاهد الموت أمامي، غير قادر على الوقوف.

اقترب مني ولم يعد يفصل بيننا سوى ثلاثة أمتار على الأكثر، اقترب أكثر، أنزل رقبته محدودة الحركة باتجاهي، أمسكت العجرة بيدي الاثنتين وضربت رأسه بكل ما أوتيت من قوة، بكل ما أعطاني حليب الزنجبيل من طاقة، صرخت وهدر هو بدوره، سقط على جانبه الأيسر، يرغي ويزمجر، نهضت راكضًا للكرفان، وفي عودتي لها توقفت سيارة جيب أمامي، أعرف هذه السيارة جيدًا، إنها سيارة جارنا السوداني، فتح النافذة وسألني عن الأصوات المرتفعة التي تصدر من جهتنا، وما إن أنهى كلامه استعاد غريمي وقوفه على أقدامه، أمرني جارنا أن أركب معه فورًا، ركبت وانطلقنا مبتعدين.

*

في يوم الجمعة، دعوت أبناء عمومتي كلهم على الغداء، استخدمت قدور والدتي وصحونها، طبخت في مطبخها وأعددت الشاي والقهوة وحفظتهم في حافظاتها. وبين مزح وضحك انكسرت الصحون على الغداء وتبعتها بعض حافظات القهوة مساءً. ولم تعلّق والدتي على هذا بشيء، ولم أتلقى ضربًا ولا تهديدًا، واستغربت هذا بشدة، إلا أن الغرامة تبعتني سريعًا، تم ترحيلي للمرعى الخاص بوالدي، أرغمني والدي على رعاية الإبل لمدة من الوقت حتى يشفى غليل والدتي. وأما الآن بهربي عائدًا إلى المنزل بدون انقضاء المدة التي عوقبت بها، وبجمل هائج طليق، فأظنني سأربط بذات السلسلة التي ربطت الجمل بها.

*

كانت الكلمات الأساسية لكتابة هذه القصة ( ابل، مضخة، غرامة) وأظن المقصود بكلمة ابل هي شركة Apple إلا أنني قررت الكتابة عن الإبل لأخرج عن المألوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top