
تجلس في انتظار المستشفى، لديها موعد مع الطبيب العام. الفتاة التي بجانبها تقاطع ساقيها، يطل من تحت عباءتها قماش كحلي، وترتدي حذاء رياضيًا متسخًا. يبدو ذبول عينيها من النقاب، ولا تحمل هاتفًا بيديها، تنشغل بسلك قماشي صغير يتدلى من كم العباءة. تخترق الستارة الموضوعة على باب غرفة الانتظار ممرضة اسيوية تدعي العجلة، تتكلم بسرعة، مما يجعلها تلتهم الحروف أكثر. قالت:
- سهر؟ سهر مودودزة؟
ترد إحدى النساء التي حملت طفلة صغيرة بيديها:
- قصدتس سحر؟
- ايوا
نهضت الأم وفتاتها تحارب النوم على كتفها، ونهضت أيضًا الفتاة ذات القماش الكحلي. نظرتا لبعضهما، أرادت الأم الخروج من الانتظار بأي طريقة حتى ولو دخلت على الطبيب الخطأ، فهي تعرف أن ابنتها لن تحتاج إلا لمضاد ولخافض حرارة. تقدمت الأم للخروج بالرغم من نظرات الجميع لها. قالت الممرضة محتارة:
- مين سهر أبدوالله؟
قالت الأم:
- أنا أنا، بنتي سحر
عادت الفتاة ذات القماش الكحلي للجلوس بجانبها، نظرت نحو الفتاة بشفقة، سرعان ما تحولت الشفقة إلى هلع، بثوان معدودة أخرجت الفتاة كل ما في معدتها على الأرض. حاولت النسوة الموجودات في الانتظار من تقريب حاوية القمامة لها، لكن الوقت قد تأخر، وقد غرقت الغرفة في قيئها. وقفت هي على الكرسي، قاومت معدتها التي غارت سريعًا من معدة جارتها. شعرت بالعرق ينز من رقبتها، وينزل إلى أسفل ظهرها. لم تحتمل الرائحة والرطوبة المفاجئة، خرجت راكضة من الغرفة، دخلت ممرًا واسعًا وفارغًا ورفعت نقابها عن وجهها بحثًا عن الهواء.
بعد حوالي النصف ساعة، عادت لغرفة الانتظار، لكنها لم تدخلها، وقفت أمام الباب، تنتظر من الممرضة إعلان الأسماء المحظوظة. وبخروج إحدى المنتظرات سألتها إن كانوا قد سألوا عن اسمها، لكن المرأة هزت رأسها بالنفي. تنهدت وأخرجت معقم من حقيبتها، عقمت يديها ومسحت هاتفها بمنديل ديتول، وبعد نصف ساعة أخرى، سمعت اسمها من الممرضة بعد أن أكلت نصفه ووقفت النسوة في غرفة الانتظار.
للاشتراك في النشرة البريدية : http://eepurl.com/iHmkuI
دخلت غرفة الطبيب، نظيفة ومرتبة بشكل استثنائي، جدرانها ناصعة البياض، رائحة المطهر تنبعث من الأرضية، حتى حذاء الطبيب الظاهر من تحت الطاولة نظيف وربطت حباله بشكل مثالي. جلست بعد أن أشار لها الطبيب بالجلوس على الكرسي يسار الطاولة. نقر عدة نقرات على الشاشة، ضيّق عينيه، أطرق برأسه للحظات ومن ثم توجه بالكلام لها:
- وش تشكين منه؟
- أحس راسي صار يصدع بزيادة، أحس انها الشقيقة بس ما ادري
- متى يجيك الصداع؟ وهل تقدرين تمارسين حياتك طبيعي بعد ما تاكلين مسكن؟
- احيانًا يجيني بالاسبوع مرة او مرتين، واذا اكلت بندول يروح
- طيب اوصفي لي الألم
- يعورني احيانًا يمين، واحيانًا يسار، واحيانا من النص، اقدر اكمل يومي بعض الأحيان بدون بندول واحيانا لا
بعد عدة أسئلة، قال الطبيب:
- الي فيك ارهاق واجهاد وقلة نوم، لو رتبتي نومك وركزتي على روتين يقلل من الاجهاد بيختفي الصداع، أمورك طيبة ان شاء الله
- بس خالتي عندها الشقيقة وممكن انتقل لي؟
- الشقيقة وراثية صحيح، لكن كون خالتك هي الي مصابة فاحتمال اصابتك بشكل مباشر بعيدة
- طيب أبي اسوي رنين
ابتسم الطبيب وقال:
- سوينا لك أول ما دخلتي
- هاه؟ كيف؟
- عندنا جهاز متطور جديد، حنا اول مستشفى يستخدمه، يصور حالة مخ المريض أول ما يجلس
- صدق؟؟
نقر الطبيب عدة نقرات على لوحة المفاتيح، ووجه الشاشة للمريضة:
- هذا مخك، ما فيه الا العافية
وسط انبهار المريضة، لم تقدر على التعليق، أخذت كأسًا من عدة كؤوس مغلفة أمامها وصبت لها من زجاجة الماء على الطاولة. حينما أخبرها الطبيب أنها تستطيع المغادرة، قالت فزعة:
- دقيقة، عندي مشكلة ثانية، أحس فيني كورونا، أبغى أحلل
- ااووووه حللنا لك
- من جدك؟
- الكاس الي شربتي منه فيه تقنية تحليل لعاب، الحين أوريك النتيجة
نقر عدة نقرات وأمال بالشاشة لناحيتها، ظهرت كلمة سلبي بشكل عريض وكبير. قالت:
- الحمدلله بس طيب أحس الضغط عندي مرتفع، وتو وحدة بالانتظار استفرغت واحس انها اعدتني
- التحليل موجود عندي الآن على الشاشة، ضغطك مضبوط ودرجة حرارتك مضبوطة
- الغرفة فيها قياسات للضغط والحرارة؟
- ايه، كلها تقنيات جديدة نحاول نستخدمها بكل الغرف وعند كل الأطباء ان شاء الله
- مستحيل
- ليش مستحيل؟ مو كل يوم الطب يتطور؟ أو قصدك إننا مستحيل نتحسّن؟
- لا مو قصدي، بس… طيب يعطيك العافية
- الله يعافيك، وبالسلامة
أغلقت الفتاة باب الغرفة وراءها، وبعد أن دخلت الممرضة على الطبيب تسأله إن كان مستعدًا للمريض التالي، قال:
- عطيني خمس دقايق، بغسل يديني واعقمها واعقم المكتب واستقبل المريض الجاي
وقف الطبيب وبخ على نفسه من علبة رذاذ كبيرة، حمل الكأس الذي شربت منه الفتاة ورماه في حاوية المخلفات الخطيرة. عاد للجلوس بعد أن عقم يديه للمرة الثانية، وأغلق صفحة المتصفح الذي حمّل منها صورة الدماغ وصورة نتيجة تحليل كورونا السلبية.




