
تمسك جدتي بالعثة مقلوبة بيدها بعد أن التقطتها محلقة فوق رأسي. تأخذ بجناحيها بيدها اليمنى وتضع كف يدها الأيسر تحتها، وتغني”اطحني لأمتس وأبوتس، اطحني لأمتس وأبوتس” وكانت العثة تتحرك بهيجان، وعلى إثر حركتها تتساقط ذرات من الغبار على كف جدتي. وكنت أنبهر بالمشهد حتى أنسى تقززي من الحشرة. تطلق جدتي العثة لتطير مجددًا لتصدم بالمصباح كما كانت قبل هبوطها على رأسي. يقول والدي بعد فزعي من طيران العث فوقي:”فراشة، فراشة، فيه أحد يخاف من فراشة؟”
يرتبط ظهور الفراشات بالمناخ أكثر منه بالفصول، فهي تزدهر وتتكاثر بنمو النباتات بعد الأمطار وبالجو الدافئ. لذلك تكثر رؤيتها في المناطق التي تكثر فيها الأمطار صيفًا، وفي الخريف إن كانت الظروف المناخية مناسبة.
يشترك العث مع الفراشات بنفس الرتبة العلمية، لذلك تقريبًا هما أبناء عمومة. ولكن يختلفان بفروقات بسيطة، فالفراشات مثلًا كائنات نهارية محبة للحياة وتزدهر بالألوان، بينما العث كائنات ليلة بألوان باهتة وتعشق الضربات الانتحارية بالجدران.
عندما كنت صغيرة، لعبت لعبة جعلتني أكره الحشرات أكثر. لعبت أنا وبنات عمومتي وابن عمتي وهو السبب في كل عقدي النفسية إذ أكثر الألعاب المؤذية كانت من بنات أفكاره، والذي أصّر على أن يتغطى عن كل النسوة إثر تخرجه من الصف السادس، واخترت مفردة يتغطى لأنه لم توجد أنثى واحدة اختارت أن تتغطى هي عنه لصغر سنه وعناده على أن يرى كرجل وهو لم يجرب الاختبارات النهائية بعد. توازعنا علب بيبسي عائلية بعد دجاجات نصف مشوية طبخها الرجال في المزرعة. وهذه حال أي طبخة يقوم بها الرجال في أي اجتماع أسري، إما أن يكون العشاء نصف استواء، أو محروق، أو لا يؤكل بسبب ملوحته، أو متبّل ببهارات تثير القولون العصبي والهضمي بنفس الوقت. عملنا على ملء علب البيبسي بالحشرات، حشرة القهوة كما نسميها لشبهها الكبير ببن القهوة. والنمل الطائر، والخنافس الزاحفة والطائرة والراكضة. أمسكت ابنة عمتي بعثة، أدخلتها بالعلبة واكتفت بها عن جمع المزيد من الحشرات. قالت:”معي فراشة خلاص يكفي.” وتوقفت أنا عن الجمع بعد أن نهرنني والدتي وجدتي عن تعذيب الحشرات، وأنها ستأتيني في الحلم انتقامًا لأبناءها، وهذا بالفعل ما حصل.
أضحت العثة رمزًا للمجد، وضرب بالفراشة وأثرها وسمعتها ضرب الحائط. كانت فراشة، ملونة ومذهلة وترمز للحياة الجديدة، وأصبحت عثة كئيبة، تنام النهار وتقوم الليل.
كبرت وأنا أعيد اكتشاف الأشياء بمسمياتها الحقيقية، وليست كما لقنني والداي. التعدي هو تجاوز الحدود وانتهاك الحقوق، وليس كما تعلمت:” ما درى” وكانت تلك جملة والدتي حينما أُضرب أو تسرق ألعابي. الاستياء هو شعور بالضيق وعدم الرضا والاعتراض، وليست:” لا عادي” كلما أُفسدت حاجياتي من الغير.
أستطيع قول لا ولا عيب في ذلك حينما أود ذلك، وليست :” ما يخالف” تفضلوا لغرفتي، اشربوا بكوبي المفضل، وتقاسموا معي الشكولاته الخاصة بي. خافض الحرارة السائل ليس بطعم الفراولة، والقرع ليس لذيذًا، وطولي حتمًا لن يزداد أكثر بعد تخرجي من الابتدائية، والجرادة ليست مسالمة، والفراشة حتمًا ليست عثة.




