العالقة في يوم اثنين

يوم الإثنين يصنف ضمن أحد الأيام الطويلة العديدة لهذا الفصل الدراسي، ذهبت لمناقشة بحث التخرج في الثامنة صباحًا، وقد كانت نجاحًا باهرًا ولله الحمد، مديح الدكتورات كان ككريم علاجي لظهري المتصلب من العمل على البحث. عدت للمنزل في الساعة التاسعة والنصف تقريبًا، أفطرت وشربت كوبًا من القهوة لأستيقظ وأتنشط للمذاكرة، لكن القهوة تملك مفعولًا عكسيًا علي، فقط غفوت لساعة لأستيقظ في الثانية عشرة ظهرًا، بدأت بالمذاكرة فورًا، لدي اختبارين يوم الثلاثاء، انتهيت من المادة الأولى في الخامسة، وبدأت المادة الثانية لأنتهي منها في الحادية عشرة. قمت بإعداد هدية التخرج لإحدى صديقاتي، وضمنتها رسالة ورقية مكتوبة بالدموع، ولا أعلم كيف لي أن أستطيع كتابة أربعة رسائل أخرى من دون أن أكتئب خلالها.

شعرت يوم الإثنين بأنني أعيش الأربعة وعشرين ساعة تلك كإسبوع، طالت وامتدت كما لو كانت الساعة توقفت عند الثانية عشرة ظهرًا عند استيقاظي من الغفوة.

أتمشى يوم الثلاثاء بعد نهاية الاختبارين مع صديقاتي، يغلب علينا الصمت، نتأمل زوايا الجامعة وانعكاسنا من خلال الجدران الزجاجية، تتدفق الدموع في أعيننا ونحبسها بشجاعة. تمر برأسي ذكريات الأيام الأولى في الجامعة، القلق والترقب، والذي كنا نظن بأنهما سينتهيان في السنة الأولى والمسألة كانت مجرد مشاعر البداية الجديدة، لكنها استمرت للنهاية، ولعلها تفاقمت لدى البعض في منتصف الطريق، تفاقم القلق إلى قلق مؤدي للإمساك، وإلى قولون، وشعيرات بيضاء في طور النمو والتكاثر.

ظللت أفكر في يوم الثلاثاء، كيف لي أن أقوم بوداع لائق؟ هل يوجد وداع لائق أصلًا؟ هل أظهر مشاعري؟ أم أخبئها؟ هل أنثر وردًا أم أقفز وأتزحلق؟ هل ستكفي الصور أو سأحتاج لتصوير مقطع؟ مع أنني سأدرس الفصل القادم، لكنني سأكون وحدي، وهنا تكمن علتي، سأجلس في أماكن ضحكنا بصمت، وسأشرب لاتيه البندق الذي اعتدت شربه مع سديم لكنني لن أجده فائق الحلاوة كما أعتدت على انتقاده، ستمر أوقات الفراغ ببطئ على عكس ما كنت أقوله لرناد طوال الوقت بأن ساعة الفراغ في الجامعة قصيرة، ولا يمكننا فعل أي شيء خلالها، سأمشي ببطئ لأنها لن تتحداني في سباق، لن أستطيع قياس الطريق الأقصر للقاعة بدون أروى ابنة عمتي، فكنا ننفصل في طرق مختلفة لنقيس اختصارها، وسأحرك رأسي على الأغاني بدلًا من جسدي كاملًا، لأن فتون لن تكون موجودة لتضحك وتمتدح حركاتي، ولن أشعر بالمنافسة لأحصد درجات عالية بسبب غيرتي من درجات أروى الكاملة، سأتناول طعامي ببطء لأن لا أحدًا سيكون بانتظاري لأنتهي، قد أكون تكونت من صديقاتي أكثر من أي عامل آخر.

المضحك المبكي في الموضوع أن الأمر لم ينتهي لدى الثلاثاء، بل سأقوم بتوديع آخر في يوم الخميس، والذي يأخذ تفكيري أكثر من مذاكرة آخر مادة. أفكر بالقيام بوداع رائع، بعدم ذكر الموضوع، وانهاء اليوم كأي يوم آخر، لكنني أعلم يقينًا بأنني سأندم على ذلك، لأنني قمت بها مسبقًا على أساس أنني سألتقي بالجميع ولا داعي للوداع، إلا أنني لم ألتقي بهم حتى هذه اللحظة، ولا أعلم في الحقيقة إن كان إظهار المشاعر سيكون فارقًا أم مجرد ذكرى حزينة للعودة لها.

خلال نشاط مادة الكفايات اللغوية، في الصف الثاني ثانوي، طلبت منا الأستاذة نورة أن نضع كلمة النهايات في جملة، قلت :”النهايات، بدايات” وعللت ذلك بأن كل نهاية ما هي إلا الحجر الأول والأساس لشيء جديد، مرحلة جديدة، انجاز، وهدف آخر. ما زلت أؤمن بهذه الفكرة، ونهاية المرحلة الجامعية ليست سوى بداية لهدف آخر، لكنني عالقة في شباك الاعتياد، وشباك التفكير.

لعلّني لست عالقة في يوم الإثنين فقط، بل عالقة في هذا الأسبوع كاملًا.

وحتى تدوينة أخرى، إلى اللقاء يا أصدقاء.

*

سأضع فاصلًا في هذه الأيام، لأعود لفتحها مجددًا كذكرى سعيدة، لأتذكر رقم الصفحة كصفحة تعطيني الطاقة بدلًا من استنزافها، كصفحة تحتوي اقتباسي المفضل، الذي أحفظه عن ظهر قلب، ولن يكون شعور الفراق سوى سطر واحد، لا فصلًا كاملًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top